حين بلغ عشر سنين من عمره ، فحفظ - بما أوتي من ذكاء - القرآن الكريم ، و « ألفية ابن مالك » في النحو ، و « نهاية التدريب في نظم غاية التقريب » للعمريطي في الفقه الشافعي ، ثم انصرف إلى الفقه فأحبه .
درس أولا على الشيخ عيد السفرجلاني ، وبعد ذلك واظب على دروس المحدث الشيخ بدر الدين الحسني ؛ فسمع منه الحديث ، وقرأ عليه « كشاف الزمخشري » ، ثم اتصل بالشيخ عبد المحسن الأسطواني ، فقرأ عليه « شرح البخاري للقسطلاني » . وقرأ المنطق والنحو على كل من الشيخ رشيد سنان ، والشيخ محمد القاسمي ، ودرس على الشيخ عبد القادر بدران شيئا من النحو أيضا ، وأخذ التجويد والأحكام عن الشيخ الحافظ أحمد المعضماني .
لكن تلمذته الحقيقية كانت على الشيخ العلامة عبد الوهاب الشركة ؛ أخذ عنه الفقه بغزارة ، وتأثر بطريقته في البحث الدقيق والتثبت والتحري ، فأصبحت له شخصية نادرة واضحة المعالم ، وغدا له عند شيخه مكانة خاصة .
اتخذ من التجارة مصدر رزقه ، ثم تركها عندما خاف من شبهات الربا ، واكتفى بما لديه من موارد .
وأما راتبه من الأوقاف فلم يكن ينفق منه شيئا لحوائجه الضرورية ، بل كان يدعه جانبا لينفقه في التزامات ومعاملات رسمية .
زهد في المناصب والوظائف ، وقد عرض عليه إفتاء الشافعية مرات فأبى ، لكنه كان يجيب عن الفتاوى التي تأتيه من كل حدب برحابة صدر . يلتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، جواد يحب الخير ، ويتصدّق على المساكين .
احتل مكانة علمية مرموقة بين رجال عصره وعلمائه ، وصار يعرف بينهم بالشافعي الصغير ، كما كان يعرف صنوه الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت بأبي حنيفة الصغير ؛ للأول مدرسته في الفقه الشافعي ، وللآخر طريقته واجتهاده في الفقه الحنفي .
وقد كان الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت من أحب معاصرية إليه ، وأنزله بقلبه منزلة خاصة ، وكانت لوفاته في نفس المترجم أعمق الأسى والحزن .
يومه حركة دائبة يقضيه بالعمل في التجارة ، ثم ينصرف إلى الدروس والمجالس والفتاوى ، وإلى إمامة مسجد الشيخ محيي الدين بن عربي في الصالحية ، ولما اعتزل التجارة تفرغ للعلم والقرآن الكريم بكليته .
لم يعن بالتأليف شأن الكثيرين من علماء هذا القرن ، غير أنه جمع كتابا في العبادات لطلابه يناسب مستواهم . بيد أنه كان المرجع في حل المشكلات وتسوية الخصومات .
حارب البدع بشتى أنواعها وحرص على إحياء سنن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والتزم بكتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، واحترم جميع آراء أئمة المسلمين .
توفي بعدما أصيب بمرض ألزمه الفراش أياما قليلة ، وكانت وفاته يوم الثلاثاء 16 جمادى الآخرة سنة 1390 ه بعد العصر ، وخرجت جنازته متواضعة في اليوم التالي ، أوصى ألا ترتفع الأصوات فيها ، وأن تخلو من أية زينة .
شيعه العلماء وطلابه ، وحشد من الناس ، صلوا عليه في جامع الشيخ محيي الدين ، ودفن بمقبرة الشيخ خالد النقشبندي بوصية منه .
وكانت ورقة نعيه التي علقت على الجدران صبيحة وفاته أنموذجا يحتذى لخلوها من الآيات القرآنية ولفظ الجلالة وغيرها من الكلمات المعظمة التي لا يصح أن تمتهن ؛ لأنّ أوراق النعي غالبا ما تسقط على الأرض .
كما أنّ ذويه جعلوا وقت التعزية - بناء على وصيته - من الضحى حتى المساء بخلاف عادة أهل الشام .
ابن مراد « * » ( 000 - 1399 ه )
محمد الصالح ابن الشيخ المفتي أحمد بن مراد ، الحنفي الفقيه ، الكاتب .
ولد بتونس ، ولا أعلم شيئا عن تفاصيل حياته سوى أنه تعلّم بجامع الزيتونة ، ونجح في مناظرة التدريس من الطبقة الثانية ، وباشر خطة العدالة ( التوثيق ) ، ثم ارتقى إلى التدريس من الطبقة الأولى ، وبعد ذلك ولي الإفتاء ، ثم مشيخة الإسلام الحنفية في عهد محمد الأمين باي ( آخر البايات بتونس ) ، وعزل
هامش
( * ) « تراجم المؤلفين التونسيين » : 4 / 297 .