الطويل ، والشيخ محمد المغربي .
وقد اشتهر في أيام التحصيل بتفوّقه على زملائه في علوم المنطق والفلسفة ، وسائر العلوم العقلية ، وكان يدرّس بعض هذه العلوم لزملائه الطلبة وهو لم يزل تلميذا معهم ، وزميلا لهم .
وفي سنة 1307 ه اختاره الشيخ محمد المهدي العباسي كاتبا لدار الإفتاء ، وكان على حداثة سنة ينوب عن المفتي في مناقشة أحكام المحاكم الشرعية ، ويلاحظ على قضاتها ملاحظات دقيقة ، دالة على سعة الاطلاع وقوة الحجة ، ثم عيّن نائبا للمحكمة الشرعية في مديرية القليوبية ولم يحصل بعد على شهادة العالمية .
ولما تم فتح البلاد السودانية ، وأرادت الحكومة المصرية والسودانية تنظيم القضاء الشرعي في السودان ، واختيار قاطن مصري كفء ، اختار الأستاذ الإمام المترجم له لهذا المنصب ، وأمره بالتقدم لامتحان شهادة العالمية ، فتقدم وحصل على الشهادة سنة 1899 م بتفوق كبير أثار إعجاب أعضاء اللجنة ، وصدر الأمر العالي بتعيين المترجم له قاضي القضاة في السودان ، وهو أول مصري أسندت إليه هذه الوظيفة ، وسار إلى السودان فوضع نظام المحاكم الشرعية ، وسنّ لها القوانين واللوائح للإجراءات القضائية الدقيقة ، وعيّن القضاة في مراكز السودان ، وسار في هذا الإصلاح بخطوات واسعة موفّقة ، حتى فاق نظام المحاكم الشرعية بمصر ، وكانت أول جلسة للمحاكم الشرعية في السودان ، في دار الزعيم المشهور ، التعايشي .
وكان في منصبه حريصا على استقلاله وشخصيته باعتباره موظفا مصريّا معينا بأمر عال من الحكومة المصرية وغير خاضع لحكومة السودان إلا بقدر ما تقضي به التقاليد الأدبية ، فكانت له مواقف دقيقة بين سلطته القضائية وسلطة حاكم السودان .
ثم أصيب برمد في عينه ، فأشار عليه الأطباء بالسفر إلى مصر للتداوي ، وفي فترة العلاج فكّرت الحكومة في إنشاء معهد ديني بمدينة الإسكندرية ، فلم يجد سمو الخديوي عباس من يصلح لإنشاء المعهد الجديد ، وتولّي رئاسته ووضع نظامه ، غير صاحب الترجمة ، فصدر الأمر العالي بتعيينه شيخا لعلماء معهد مدينة الإسكندرية سنة 1304 ه ، فوضع له النظام المحكم الذي لا يزال أنموذجا لكل ما أقيم بعده من المعاهد الدينية في سائر المديريات .
ثم عيّن وكيلا للأزهر ، وفي أيامه أنشأ القسم الأول للتعليم بالأزهر ، وجعله نواة لتنظيم التعليم على نظام معهد الإسكندرية .
ثم صدر الأمر العالي للمترجم له بدرس حالة البلاد في الوجه القبلي ، فقدّم المترجم له تقريرا شاملا لسمو الخديوي عباس ، شرح فيه بعد المسافة ومشاق الاغتراب على الطلبة المبتدئين ، ثم أشار بإنشاء معاهد دينية في أنحاء القطر المصري ، وفي مقدمتها معهد أسيوط .
وفي سنة 1911 م استصدر قانون الجامع الأزهر الخاص بالنظام الحديث ، وعيّن في نفس الوقت عضوا في هيئة كبار العلماء ، ثم أنشىء القسم الأول للجامع الأزهر تنفيذا لقانون الجامع الأزهر الذي وضع نصوصه المترجم له .
وفي سنة 1913 م عيّن عضوا في الجمعية التشريعية ممثلا للهيئة الإسلامية ، وأحيل إلى المعاش .
ولما قامت الحركة الوطنية الكبرى سنة 1918 م بزعامة الخالد الذكر زغلول باشا ، كان المترجم له في طليعة مناصريه ومؤيديه ، وكان لموقفه الوطني الأثر الظاهر في تطوع العلماء وطلبة الأزهر والمعاهد الدينية للمساهمة في الحركة ، وانتشارهم في قرى الريف ، داعين إلى الجهاد ، وإنقاذ الوطن وتحريره .
وقد كتب مقالات كثيرة في الشؤون السياسة المصرية ، نشرت في الجرائد .
وكان فقيها ضليعا ، متبحرا في الفقه وأسراره ، عالما بكتاب اللّه ، يفقهه ويعرّفه ، ويداوم مدارسته والغوص على أسراره ، وكانت له في التفسير نظرات دقيقة ، وكان في العلوم العقلية آية الآيات .
وكان كريم الأخلاق ، زاهدا في الدنيا .
ومن الذين حضروا عليه الشيخ السعيد الطيب الجزائري ، وأولاده الكرام .
توفي في شهر جمادى الأولى سنة 1358 ه
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1219
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص١٢١٩