عن التدريس ، فكان يدرس المطولات في التفسير والحديث والفقه والأصول والتوحيد .
وقد عرف رحمه اللّه بالزعامة في علم الأصول والفقه الحنفي والمنطق ، فكان يرجع إليه أجلة العلماء فيما يشكل من المسائل ، ويصادفون لديه لكل مشكلة حلّا ، كأنها مرت به قبل فعالجها وانتهى إلى ما يحسن السكوت عليه من أمرها .
وكان درسه في التفسير غاية في النفاسة ، فيتكلم على الآية من الإعراب والبلاغة وأسباب النزول والأحكام الشرعية فيبهر العقول ويأتي بفرائد المعقول والمنقول ، بحيث اشتهر درسه في التفسير ، فتجد أكابر العلماء فيه فضلا عن غيرهم ، كيف لا وقد سارت إليه الركبان ، وكان لا يمر بمصر عالم إلا أتاه وجلس معه واستفاد منه ، منهم : الإمام المحدث سيدي محمد بن جعفر الكتاني ، وشيخ الجماعة الولي المشهور مولاي محمد بن الصديق الغماري ، وعلامة زمانه المحدث المكي عزوز التونسي ، والمفتي الحبيب حسين بن محمد الحبشي ، والولي الكبير الحبيب أحمد بن حسن العطاس ، والشيخ العلامة كامل الهبراوي الحلبي ، والمفتي الطاهر بن عاشور التونسي ، ومسند عصره السيد عبد الحي الكتاني وغيرهم .
وكان مجلسه يعلوه الوقار والسكينة ، وحوله العلماء والطلاب يسألونه ويستجيزونه فأجازهم ، وترجموا له في العديد من المصنفات ، وقد تخرّج عليه كثير من الجهابذة منهم : الشيخ الأحمدي الظواهري ، والشيخ محمد مأمون الشناوي ، والشيخ محمد مصطفى المراغي ، والشيخ محمود شلتوت ، وقد شغلوا منصب شيخ الأزهر ، وممن شغل الإفتاء الشيخ عبد المجيد سليم ، والشيخ علام نصار ، والشيخ حسنين بن محمد مخلوف ، وغيرهم من علماء الأزهر وغيره ، وأما من شغل وظائف القضاء بدرجاته فيضيق المقام عن حصرهم ، ويذكر أن كثيرا من أقرانه حضروا عليه لعلو كعبه وسلامة صدره وغزارة علمه .
حجّ قديما ثم حجّ في أواخر عمره ، وحصل عليه في الحرمين الشريفين زحام كبير مشهور ، وتصدّق بمائة جنيه إعانة لإصلاح عين الزرقاء ، كما أنه زار الشام .
وكانت شهرته قد تجاوزت مصر إلى العالم الإسلامي كله ، فكانت ترد إليه الاستفتاءات تترى في مختلف المسائل ، ومنها مشاكل تحتاج إلى مراجعات كثيرة مضنية ، فكان لا يضن بنفسه عن القيام بها فيحرّرها ويرسل بها للمستفتين .
ومما انفرد به أنه استخدم كتّابا لنقل فتاويه ، وتولّى إرسالها إلى طلابها في مختلف الأقطار متحملا مكافأتهم الشهرية .
كان حريصا جدا على إفادة الطلاب وإعطائهم نفيس وقته ، قال سيدي أحمد بن الصديق في « البحر العميق » :
دخلت عليه يوما فوجدته يكتب في حاشيته على شرح الإسنوي على منهاج البيضاوي في الأصول فقال لي :
أنا مريض والطبيب منعني من الكتابة ، ولكن كيف أصنع فإن العلماء يقرءون في الأزهر الآن بحاشيتي ، وكلما طبعت ملزمة دفعت إليهم ، فإذا تأخرت توقفوا ، فكتب حاشيته المذكورة وهي في أربعة مجلدات في وقت قليل ، لأنه لا يتكلف النقل ولا يتعب في المراجعة ، اه .
وكان أبيّ النفس ، سليم الصدر ، شديد الاعتزاز بالعلم والعلماء والطلاب ، له اعتقاد كبير في الصالحين فيحبّهم ويتقرّب إليهم ، مستقيم الخلق ، وكان لا يأخذ أجر نظارة الأوقاف قائلا : إنه لا يأخذ أجرا على خدمة العلماء .
وكان رحمه اللّه صاحب بصر وبصيرة ، واطلاع واسع ، ودقة في الحكم ، وأناة وعارضة قوية ، فكان من أشد المعارضين لدعوة الشيخ محمد عبده وغيره التي نادت بتغيير الأزهر باسم إصلاحه ، وكذا يعارض الألفاظ والمعاني التي عمّت البلاد وسار الجميع وراءها كالوطنية ، وكذا عارض الملاحدة الراغبين في فصل الدين عن الحياة والمهاجمين للأزهر الشريف ، ولذا فقد عارضه معارضون ، وأين هم منه ؟ فانتصر عليهم بعد أن ناظرهم على صفحات المجلات الإسلامية ، وفيما كتبه من كتب نافعة مفيدة .
ولا زال بعض تلامذته بيننا ، ففضله معروف ، ووصف بأنه درة وشامة في الأزهر ، وبالجملة فلم ير مثل نفسه .
ترجمه العديد من العلماء في مصنفاتهم منهم : عبد الحفيظ الفاسي في « معجمه » المطبوع وقال في حقّه :
مطلع دراك ، محقّق ماهر ، صحيح النظر . قوي الحجة ، فاكّ
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1079
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص١٠٧٩