الفضيلة والفقه والنزاهة والإخلاص والاستقامة . فهو معلم ومربّ ، ومرشد ، يتمتع بقوة الشخصية ونفوذ الرأي مع عفّة النفس .
أثرت عنه مواقف عظيمة ، منها نصيحته للملك فيصل بن الحسين لإقامة دستور البلاد على الشريعة الإسلامية وقال له : « هذه أمانة أخرجتها من عنقي ، ووضعتها في عنقك ، واعلم أن ملكك زائل إن لم تحكم بالشرع ، وسيضحك عليك الغرب كما ضحك على أبيك » ، وخرج من عنده ولم يسلم عليه .
ومنها مشاركة المتدربين على السلاح إبّان النكبة عام 1948 م ، فخرج ومعه العلماء يتدرّبون على الأسلحة والرماية .
ومنها بلاؤه في أسبوع التسلّح عام 1376 ه / 1956 م حين تبرع من ماله بمبلغ كبير ، وكان وقتها رئيس لجنة التسلّح .
ومن مواقفه النادرة موقفه الصلب حين طلب منه في بعض الظروف التي مرت على البلاد أن يفتي في قضية يرفضها الشرع ، فلما رفضها فصل عن العمل ، ولكن الظروف تغيرت بعد ، وعاد إلى الفتوى مكرّما معزّزا .
كان رجلا ربعة إلى القصر المعتدل أقرب ، ذا لحية مهيبة ، أبيض الوجه يعتمّ بعمامة بيضاء ويظهر أنه كان في شبابه يكور العمامة على الطربوش ثم تركه . يلبس القباء والجبة . وكان في منصب الإفتاء يلبس البنطال فوقه المعطف الطويل ( الطقم المحكمجي ) .
عالم مستقيم ، كريم النفس ، يبذل ما يستطيع ، فقيه متمكّن مستحضر للمسائل ، إذا سئل أجاب فورا ولو على الهاتف ، وقد يستمهل ربع ساعة أو نحوها ثم يجيب . وكثيرا ما يسأله القضاة والمحامون ومجلس الدولة حتى بعد اعتزاله للفتوى ، لا يفتر عن المطالعة والمدارسة ، وكان ربما يحقق المسألة العلمية وهو في أشد حالات المرض ، وربما اطلع على كتاب ليس عنده فيوصي من تلاميذه من يشتريه له ليقرأه .
كان شديد الاهتمام بكتب السلف ، وأصول العلوم ، متثبتا في علمه متأنيا شديد التنبه والحذر ، بعيد الغور ، ألمّ بثقافة العصر مع تمكّنه بكتب التراث . ترك مكتبة عظيمة ورثها عن أبيه وجده وزاد فيها وكان بها حفيّا .
تحتوي على نوادر من المخطوط والمطبوع .
ذكي فطن ، يعرف مداخل الأمور ومخارجها .
وكان ربما يصل النهار بالليل في المذاكرة والدرس ، ويصلي الصبح بوضوء العشاء ليحقق في مسألة أو يراجع معضلة ، أو يصدر فتوى تتوقف عليها المحاكم والقضاء .
وكان أيضا متواضعا يحترمه الناس ويكبرونه ، زاهدا في الدنيا ، بسيطا في طعامه وشرابه ولباسه مع مهابة تجلله .
كثير الطاعات ، سخيّا يهتم بالفقراء والأرامل ، وكان رئيس جمعية سوقساروجة الخيرية ؛ التي تهتم بأهل الحي ، وتسعى لسد عوزهم .
يحب العلماء والصالحين ، ويعتقد بالقوم ، ويزورهم أحياء وأمواتا .
صفت نفسه في آخر أيامه ، وكثرت رؤياه للصالحين والعلماء الذين سبقوه إلى ربهم ، ونزلت به الأمراض وضعف جسمه إلى أن توفي صباح يوم الثلاثاء 8 رجب 1401 ه / 2 أيار 1981 م ، وصلّي عليه بجامع الورد بعد عصر اليوم نفسه ، ثم دفن بمقبرة الباب الصغير في قبر أبيه ؛ قريبا من قبر الشيخ عبد الحكيم الأفغاني ، والشيخ علاء الدين الحصكفي ، والشيخ محمد عابدين ، والشيخ علاء الدين عابدين .
اسكن
محمد أبو اليسر . . إهداؤه بخطه . . في مقدمة كتاب « أغاليط المؤرخين »
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 2116
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص٢١١٦