تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 2110

مساهمون:

ص٢١١٠
وكانت والدته وشقيقته الكبرى تواظبان على حضور جلسات محاكمته في عام 1954 م . وفي الجلسة الأولى لم تتعرف عليه والدته ، لما أصابه من التعذيب ، فسألت ابنتها : أين أخوك ؟ فقالت لها : الذي في القفص ، فردت عليها الأم : ( لا يا بنتي . أنا « عبيطة » حتى لا أعرفه ) وكانت ظهر وقد نحف جسمه حتى باتت ثيابه فضفاضة عليه ، وحلقوا شعر رأسه ، وكسروا فكه حتى تغير كلامه ، وبقيت والدته في تلك الجلسة مصرّة على أن هذا ليس ابنها كمالا . وكان زاهدا في الحياة ، يقوم الليل ، ويصوم الأيام الطويلة . . وعاش في السجون لا يلبس إلا الثياب الخشنة ، وحتى الثياب الداخلية التي كان لكل سجين حق شرائها من مقصف السجن يرفضها ، ليعيش متجردا من كل ما يعتبره ضابط السجن منة توهب للسجين ترغيبا ، أو يحرم منها ترهيبا ، ورجل هذه حياته ، وهذا زهده ، لم يكن غريبا أن يأبى ما يطلبه منه ضباط السجن وضباط المباحث - طوال مدة سجنه - من تأييد نظام حكم عبد الناصر ، ولم يكن يشكل صموده في هذا الموقف صراعا نفسيّا يدعوه إلى الحفاظ على زوجته الأولى حين امتدت به الأيام وثقلت بها تبعات الأعوام ، فقد كان يرى - مع ذلك - أن الإبقاء على ربه ، أغلى من الإبقاء على بيته . وكتب في وصفه المستشار عبد اللّه العقيل - وقد عرفه عن قرب - فقال : « هو الأخ الحبيب ، والخل الوفي ، والتقي الورع ، المسلم الصادق ، والداعية المجاهد ، والمؤمن الصابر ، والرجل الصلب ، المعدن النفيس ، العامل بصمت ، الصوّام القوّام ، التالي الذاكر ، الذي ضرب أروع الأمثلة في الثبات على الأمر ، والجرأة في الحق ، والصبر على البلاء ، فكان المثل لإخوانه الدعاة داخل السجون . كان السنانيري التلميذ الوفي لمبادىء شيخه وأستاذه الإمام الشهيد حسن البنا ، والذي وعى الدرس من أول مرة ، أدرك بأن طريق الدعوة محفوف بالمخاطر مليء بالأشواك ، لأنه الطريق إلى الجنة ، المحفوفة بالمكاره ، لقد كان يردّد على ظهر قلب ما كتبه الشيخ لتلاميذه حيث قال : سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام أمامكم ، وسيحاربكم العلماء الرسميون السائرون في ركاب السلطة ، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم ، وستستعين بذوي النفوس الضعيفة ، والقلوب المرضية والأيدي الممتدة إليها بالسؤال ، وإليكم بالإساءة والعدوان ، فتسجنون وتعتقلون وتشردون ، وتفتش بيوتكم ، وتصادر مصالحكم ، ويروع أطفالكم ، وتنهب أموالكم ، وتثار ضدكم الاتهامات الظالمة ، والافتراءات الكاذبة ، لتشويه سمعتكم ، والنيل من أقداركم ، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان ، وعند ذلك فقط تكونون قد بدأتم تسلكون طريق أصحاب الدعوات . . . إلخ . وكان الأستاذ السنانيري يترجم هذا الكلام إلى واقع حي مشاهد ، عاشه هو وإخوانه قرابة ربع قرن في غياهب السجون وظلمات الزنازين وتحت سياط الجلادين . قبض عليه في أوائل ( سبتمبر ) أيلول 1981 م عقب عودته من واشنطن مباشرة . وسقط شهيدا بيد جلاديه تحت التعذيب يحاولون انتزاع ما يرضيهم من الطعن في الجماعات الإسلامية ، ولكنه استمر يقول : « إن السادات قد فتح قبره بيديه بتوقيعه معاهدة الذل ( كامب ديفيد ) التي تقضي بتسليم رقاب الشعب المصري المسلم لإسرائيل وأمريكا ، وبافترائه على الإسلام ودعاته » . وإذا كان رثاء الزوجات لأزواجهن نادرا في الشعر ، فقد رثته زوجته أمينة قطب في أكثر من قصيدة ، وكان لها قصيدة حزينة مؤثرة في ذكرى كل سنة بعد استشهاده ، وعلى مدى سنوات طويلة رأيت ذلك في مجلة المجتمع الكويتية . ولو أنها جمعت في ديوان لكان حدثا في دنيا الشعر المعاصر . وكان أول تلك القصائد بعد استشهاده :
ما عدت أنتظر الرجوع ولا مواعيد المساء * ما عدت أحفل بالقطار يعود موفور الرجاء ما عاد كلب الحي يزعجني بصوت أو عواء * وأخاف أن يلقاك مهتاجا يزمجر في غباء ما عدت أنتظر المجيء أو الحديث ولا اللقاء * ما عدت أرقب وقع خطوك مقبلا بعد انتهاء وأضيء نور السلم المشتاق يسعد بارتقاء