الذين دأبوا على التحصيل وقد كان هؤلاء نواة الجمعية ، ومن أجل دعم العمل فيها فقد تفرغ أربعة من أشغالهم وكسبهم وهم : الشيخ عبد الرزاق الحلبي ، والشيخ أديب الكلاس ، والشيخ شعيب الأرناؤوط ، والشيخ عبد القادر الأرناؤوط ، وانصرفوا إلى الدراسة والتدريس والقيام بشؤون الجمعية تحت إشراف شيخهم .
بدأت الجمعية دروسها في جامع فتحي على شكل حلقات بسيطة وبدون تنظيم شكلي . ثم تطوّرت الحلقات إلى صف هو الصف الأول يدرس طلابه الأساتذة المذكورون ، وكان الطلاب على قلتهم وهم نحو عشرين طالبا متنوعي الجنسيات من لبنان وتركية وإفريقية إلى جانب السوريين . ثم صارت الصفوف تترقّى وأنشىء في كل سنة صف أعلى بشكل متسلسل حتى قررت صفوفه ستة .
وبعد ستة أشهر اشترت الجمعية من التبرعات بيتا في القيمرية حارة الشطي شارك الشيخ بجزء كبير من ثمنه ورمّم ثم حينما انتهى ترميمه انتقل إليه الطلاب ، ليكون مدرسة بكل معنى الكلمة ، وضبطت الأمور فيها ، ووضعت مناهج الدراسة فيها بشكل واضح .
كما اهتمت الجمعية بترميم المساجد القديمة وعملت على إعمار المساجد في دمشق والقرى والبادية .
تلامذة الشيخ كثيرون لا يحصون ، اشتهر منهم نفر وتولوا التدريس وكانوا رجال زمانهم علما وعملا ، من أبرزهم : أبناء الشيخ ، والشيخ عبد الرزاق الحلبي ، والشيخ أديب الكلاس ، والشيخ إبراهيم اليعقوبي ، والشيخ رمزي البزم ، والشيخ موفق نشوقاتي ، والشيخ أحمد رمضان ، والشيخ نور الدين خزنة كاتبي ، والشيخ شعيب الأرناؤوط ، والشيخ عبد القادر الأرناؤوط ، والشيخ سهيل الزبيبي ، والشيخ عبد الفتاح البزم ، والشيخ أحمد القتابي . هؤلاء من أوائل تلامذته ممن تفرغ للعلم والتعليم تلاهم أعداد أخرى كثيرة .
وكان مع تلاميذه أبا يرعاهم ، لا يبخل عليهم بالتوجيه والنصح ولا بالمال والدنيا ، يحنو عليهم ويتعهّدهم ، يواسي مريضهم ويعين محتاجهم ، ويصحبهم في النزهات والسفر والإقامة .
عرف في الدروس بأسلوب متميز سلكه تلاميذه من بعده يدل على تمكنه من المادة العلمية التي يلقيها ، فهو يلخص الدرس تلخيصا من ذاكرته يستوفي فيه الموضوع بدقائقه حتى يدخله في قلوب الطلاب وعقولهم ، فإذا ما استوعبوه رجع إلى عبارة الكتاب وشرحها وفصّل فيها .
وقد حرص على حلقة الدرس حتى في أحرج الظروف . ومما يحكى في هذا المقام أن ولده البكر محمدا مرض مرضا شديدا فما أعاقه ذلك عن حضور الدرس مع شدة الحال . وصادف أن كان موضوع الدرس في مرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال للمعيد : اقلب ، فقلب وقرأ : وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقال له مرة أخرى :
اقلب ، فقلب وقرأ وفاة ولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إبراهيم . فقال له : اقرأ ، واسترجع . ولما رجع إلى بيته وجد ابنه ميتا .
ومن حرصه على الدرس أنه مرض مرة مرضا شديدا أصابته منه غيبوبة ، فلما صحا منها ونطق سأل عن الدرس .
كان الشيخ صالح رحمه اللّه رجلا طويل القامة واضح القسمات ، نير الوجه بشوشا يحب الناس وينصح لهم ، ويلقي في مجلسه الفوائد العلمية ، وإذا كان في المجلس شباب طرح عليهم أسئلة تستثير اهتمامهم وتدفعهم إلى التفكير . وقد كان كذلك مع أبنائه في مجالسه البيتية أثناء الطعام ، يوجه إليهم الأسئلة الدقيقة من الفقه والنحو والأدب وخاصة الشعر ، وسوى ذلك مما يشجّعهم على العلم والمراجعات في الكتب ، وإذا أحسن أحدهم الإجابة في المسائل المشكلة منحه مكافأة مجزئة . وكذلك في غالب مجالسه مع الناس .
وكان يهتم بطلابه كل الاهتمام ويتابع أمورهم اليومية ويسعى لتوظيف الفقراء منهم في وظائف الشعائر الدينية ، ويهتم بشكل خاص بخريجي المعهد ويساعدهم في متابعة مستقبلهم ، ولهذا سعى لقبول خريجي المعهد في الأزهر ، وكان معهم كالأب الشفوق وكثيرا ما يسافر إلى مصر في أوقات امتحاناتهم .
واشتهر الشيخ بالكرم ، فكان بذولا لأهل العلم يساعد محتاجهم ويدعوهم ويزورهم وربما استدان لسدّ حاجاتهم .
وكان اهتمامه بالعلم ودروسه وحلقاته اهتماما
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 2065
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص٢٠٦٥