تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1991

مساهمون:

ص١٩٩١
مجلسا إلا ويكون فيه قراءة وتعليق أو بحث ومذاكرة . وكان منزله منذ أن كانت أحواله المادية متوسطة موئلا لطلبة العلم والغرباء والضعفة والمساكين ، لا يستأثر بشيء من لذيذ الطعام دونهم ، ولما وسّع اللّه عليه ورزقه صار في بيته أمكنة للغرباء والفقراء والمساكين والمعوزين ، وكان يقرّبهم ويتواضع لهم ويعطيهم ، ويبقى بعضهم عنده الأيام الطويلة ، بل الأشهر ، وربما بقي عنده بعضهم السنة والسنتين ، وقد يخصّص لبعضهم مرتبات شهرية ، واستمرّ على ذلك حتى توفي رحمه اللّه . وله مائدة تقدّم ثلاث مرات في اليوم والليلة في حضوره وغيابه ، وإذا سافر من بلد إلى بلد كالمدينة ومكة والشام ومصر يصحب معه بعض هؤلاء الفقراء . وكان كل من دخل عليه تصوّر أنه أعزّ الناس عنده ، فهو يرحّب بكل زائر . ويسأله عن حاله ، ومع ذلك فقد كان رحمه اللّه صبورا محتسبا يحسن إلى بعض الناس فيسيؤون إليه ، فيتحمّل ويتناسى أذاهم . فإذا دخل عليه إنسان قد آذاه بشيء رحّب به كأن لم يكن منه عليه شيء . وقد بنى مساجد قيل إنها تزيد على الثلاثين مسجدا ، وشارك في بناء عشرات المساجد ، وقد وسّع اللّه عليه في الرزق ، إذ قد باع واشترى في العقارات . وكانت له مجالات كثيرة في الخير والبر والإحسان ، فكم أفرج أناسا من السجون بكفالته ، أو سدّد عنهم ديونهم . وقد مرض أخيرا ، وأدخل أحد المستشفيات بالشام ، وكان معه ابنه أحمد يلازمه ليلا ونهارا ، فكان وهو في شدّة المرض يأمره بقراءة القرآن ويشرح له بعض المعاني ، حتى غرغرت روحه وفاضت ، يوم الاثنين 12 رجب . وقد أوصى رحمه اللّه لما يقرب من ثمانين رجلا أو امرأة من أقربائه وأصدقائه ومشايخه وطلبة العلم ، كما أوصى بمبالغ طائلة لأعمال البرّ وبناء المساجد ، فقد أوصى ببناء وترميم مائة مسجد في القرى والضواحي ، منها خمسة عشر جوامع ، وأوصى بمائة حجة له ولوالديه ، وعشرة آلاف مصحف ، وعشرة آلاف « ثلاثة الأصول » . وخصاله الحميدة أكثر من أن تحصى رحمه اللّه رحمة واسعة .

علي محمود بن الخوجة « * » ( 1310 - 1402 ه )

عالم مشارك ، فقيه حنفي . ولد بتونس ، ودخل الكتاب فحفظ القرآن الكريم ، ثم أدخله والده فرع المدرسة الصادقية ، وخرج منه محرزا على الشهادة الابتدائية سنة 1906 م ، ثم انخرط في سلك تلامذة جامع الزيتونة ، فأخذ العلم فيه عن جماعة من المشايخ كالصادق بن ضيف ، ومحمد الصادق النيفر ، ومحمد الطاهر بن عاشور ، وحميدة النيفر ، والخضر حسين وغيرهم . واختير للخطابة بجامع يوسف صاحب الطابع بعد وفاة والده في سنة 1329 ه ، فكان الإمام والخطيب بالجامع المذكور ، وفي العشرين من رمضان يلقي درس الختم ، وواظب على إلقاء الدروس بجامع صاحب الطابع . انتصب للإشهاد بوصفه من الموظفين بالديوان . وكان من رجال المجلس الشرعي يعتمدون تحقيقاته ، لتحرّيه واطلاعه الواسع وعلمه الكبير بالتوثيق . أدّى الحج عام 1346 ه ، واستمرّ على شدّ الرحال إلى الحج والعمرة ، وترأس الوفد الرسمي عدة مرات . في عام 1937 م أصبح مدرّسا من الطبقة الأولى ، فانقطع عن الإشهاد ، وفي أوائل عام 1943 م سمي مفتيا حنفيّا ، فباشر هذه الخطة حتى توحيد القضاء وحذف المحكمة الشرعية إثر الاستقلال . عيّن مفتيا ، حتى توحيد القضاء وإحداث المحكمة الشرعية سنة 1402 ه . أسّس مكتبة في رحاب جامع صاحب الطابع ، وأخرى بجامع محمد باي المرادي ، وجامع سيدي محرز . ومن نشاطاته الاجتماعية مشاركته في اللجنة التي أسّست الحي الزيتوني ، وجمعت الأموال لبنائه . وقد كان عضوا في الجمعية الخيرية الإسلامية ، وأستاذا بالمدرسة القرآنية مع شيخه وصديقه الشيخ محمد
هامش
( * ) « مشاهير التونسيين » ص : 369 - 370 . و « تراجم المؤلفين التونسيين » : 5 / 217 - 218 .