البنارسي ، وأخذ عنه العلوم الحكمية ، وأخذ الصناعة الطبية عن الحكيم طالب علي اللكهنوي ، وكان ببلدة « لكهنؤ » ، إذ ثارت الفتنة العظيمة في بلاد الهند سنة ثلاث وسبعين ، فنهبت أمواله وكتبه في تلك الفتنة ، فرجع إلى « عظيمآباد » ، ورزقه اللّه سبحانه قبولا عظيما في العلاج .
لقيته بعظيمآباد غير مرة ، فألفيته بحرا زاخرا في العلوم الحكمية والمعارف الأدبية ، منطقيا ذا محاضرة حسنة ، ومناشدة طيبة ، ما رأيت أحدا مثله في قوة الحفظ وجودة القريحة ، وسعة الاطلاع على أسفار القدماء ، وطول الباع في تمييز الصواب عن الخطأ ، و
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
[ الجمعة : 4 ] .
وكان ينظم القصيدة الفائقة في لحظة مختطفة ، بحيث لا يصدق بذلك إلا من له مزيد اختبار ، فمنها قوله من القصيدة الطويلة نظمها بمشهد مني ومسمع ارتجالا :
فوا أسفا ونحن بنو كرام * توارث فيهم علم وجود
ذوي الأعلام والأقلام طرا * يزينهم المكارم والجنود
وقد كانوا ملاذ الناس طرا * لكل مصيبة خصوا ونودوا
وقد كانوا أولي طول وملك * تطيعهم العساكر والجنود
وتخضع عند رؤيتهم رقاب * وترتعد الهزابر والفهود
قصرنا نحن في وهن وهون * يرق لنا المعاند والحسود
وسعى في الأرض طغيانا وعدوا * مع الأحزاب شيطان عنود
يشيع البغض بين المؤمنين * ففر الجمع وانهزم الجنود
وشب ضرام نيران النفاق * ونار البغي ليس لها خمود
وفي أعناقهم أغلال غل * ومن حقد بأرجلهم قيود
وهم عن صالح الأعمال رغبوا * وقد بعدوا كما بعدت ثمود
توفي إلى رحمة اللّه سبحانه لخمس خلون من جمادى الثانية سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة وألف ، بعظيمآباد .
عبد الحميد المنكباوي الخطيب « * » ( 1316 - 1381 ه )
العالم ، الأديب ، الخطيب : عبد الحميد بن أحمد بن عبد اللطيف الخطيب المكي ، الدمشقي .
ولد بمكة سنة 1316 لأب عالم ، ترك ستة وأربعين مؤلفا ، كان يعرف بالمنكباوي نسبة إلى منكابو من بلاد جاوة . وقد جاور هذا الأب في مكة ، وتولّى الخطابة في مقام الإمام الشافعي فقيل له الخطيب .
تلقى مبادئ العلوم عن والده ، ودرس على أعلام العلماء في المسجد الحرام ، وعكف على نفسه ، يقرأ كتب الأدب ، حتى أخذ منها بحظ .
أولع من صغره بنظم الشعر ، وأول شعر أذاعه كان في مناجاة اللّه ، لقي الاستحسان حينما ألقاه في الإذاعة المصرية سنة 1357 ، ثم نظم « نهج البردة » ، و « همزية الخطيب » ، و « تائية الخطيب » ، بخمسة آلاف بيت ، تدور حول حكمة التشريع الإسلامي ، ومبادئ الإسلام ، وسرّ تأخر المسلمين .
عمل المترجم هو وأخوه عبد الملك في مصر بخدمة الملك حسين بن علي ، وأقام بها خمسة عشر عاما كان يتردد خلالها على الأزهر والعلماء ، مشتغلا بالصحافة ، وأسس هناك جمعية الشبان الحجازيين ، ومن مصر سافر إلى أوروبا مرتين للاستجمام .
ولما حكم الجزيرة الملك عبد العزيز بن سعود
هامش
( * ) « الأعلام » للزركلي : 3 / 284 - 285 ، و « المستدرك على معجم المؤلّفين » لكحّالة : 340 ، و « أعلام الأدب والفن » لأدهم آل جندي : 2 / 508 . ومجلة المجمع العلمي العربي : 27 / 614 ، 31 / 307 - 310 ، 645 - 657 ، 32 / 372 - 373 ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 3 / 303 - 305 .