الغريزية ( في أعضائي ) وفي المفاصل وبعدها شدني من وثاقي وفصدني من عضدي وساقي فقمت بقدرة الواحد الأحد بنفسي لا بمعونة أحد ودخلت المنزل على والدي فلم يتمالك سرورا . . . فضمني إلى صدره وسألني عن علة ذلك فحدثته بحقيقة ما جرى لي . . . فمشى من وقته إلى الأستاذ ودخل حجرته وشكر سعيه وأجزل عطيته فقبل منه شكره واستعفاه بره وقال إنما فعلت ذلك لما رأيت فيه من الهيئة الاستعدادية لقبول ما يلقى إليه من العلوم الحقيقية . . فابتدأت عليه بقراءة المنطق ثم اتبعته بالرياضي فلما تم شرعت عليه في الطبيعي فلما أكملته اشرأبت نفسي لتعلم اللغة الفارسية فقال يا ابني انها سهلة . . . ولكن ابدأ باللغة اليونانية فاني لا أعلم الآن على وجه الأرض ( لأن منذ أجيال ندر من يتقنها في الدول الإسلامية ) من يعرفها غيري فأخذتها عنه واستفدتها منه » بعدها استأذن للعودة إلى دياره « وانقطعت عني بعد ذلك أخباره ثم جرت الأقدار بما جرت وخلت الديار من أهلها وأقفرت وتنكرت من بعد ما عرفت بانتقال والدي واعتقال ما أحرزته يدي . . . فكان ذلك داعية المهاجرة للديار المصرية والقاهرة فخرجت عن الوطن المالوب ( المسلوب ) والمنزل المضروب خروج الضب أخرجه الوجار ونحن عصبة . » وبرفقتهم زار بعض المدن من سواحل الشام وجبل العلويين وباحث ودرس « ثم ساقتني العناية الإلهية إلى أن دخلت إلى حمى دمشق المحمية فاجتمعت ببعض فضلائها الأعلام من مشايخ الإسلام كأبي الفتح محمد بن عبد السلام وكشمس علومها البدر العزيز العامري علاء الدين ثم لم ألبث أن هبطت منها هبوط آدم من الجنة . » وقد أنشد في ذلك يقول :
ما مقامي بأرض نخلة إلا * كمقام المسيح بين اليهود
انا في أمة تداركها اللّه * غريب كصالح في ثمود
ونعلم أنه بعد أن أقام بدمشق مدة نزل القاهرة المعزية وأخيرا ذهب إلى مكة المكرمة حيث توفي وله من التآليف شرح قصيدة النفس لابن سينا