نراه من تحرّر فكري وانطلاق علميّ مستقل إذ يؤكد بجرأة وحزم قائلا « ولا علينا وافق ذلك رأي من تقدمنا أو خالفه . » فكأنه يقف ضد الباطل لا يهاب في الحق لومة لائم ولا سيما في بحثه العلمي المجرد . ومن هذا نرى أننا في دراسة ابن النفيس نقف أمام شخصية لامعة قد سبقت الجيل الذي عاشت فيه بحوالي ثلاثة قرون وأن صرخة الحق التي فاه بها ثابت الجنان رددت صداها عصور البعث العلمي المشرقة في القرنين الخامس والسادس عشر .
ومن جهة ترتيب كتابه فان المؤلف يقول « ثم رأينا أن نبتدئ قبل الكلام في التشريح بتحرير مقدمة تعين على إتقان العلم بهذا الفن وهذه المقدمة خمسة مباحث . »
الأول - في اختلاف الحيوانات في الأعضاء . مما يؤكد لنا تيقنه من الفوارق بينها ، وقد ذكر ذلك جالينوس ، ولكن إشارة ابن النفيس في هذا البحث تجعله ذا أهمية خاصة في تاريخ علم التشريح (
ComParative Anatomy
) فهو يقول « لأن الحيوانات تختلف في الأعضاء » وهو يشبه هذه الأعضاء بالآلات « وهذه الآلات تختلف باختلاف هذه النفوس إذ لكل نفس أعضاء تليق بها كالأسد فإنه لما كان اغتذاؤه من اللحم وإنما يتمكن من ذلك بأن يكون قويا على الصيد وقهر غيره من الحيوان ليتمكن من أكله وإنما يمكن ذلك بأن يكون شجاعا شهما جريئا مقداما قويا على قهر غيره . . .
وبأن تكون أعضاؤه قوية . . . وعظامه قوية مستحكمة مصمتة خفية المفاصل حتى كأنها من عظم واحد . . . ليس كذلك الحيوانات الضعيفة البطش أو الواهية التركيب . »
الثاني - في قواعد علم التشريح وذلك دليل اهتمامه بهذا الموضوع الهام وفضله على الجراحة .
الثالث - في إثبات منافع الأعضاء .