رأينا أن الحضارة العربية التي مهدت لها لغة القرآن الكريم السبيل للتعبير الجيد عن العلوم والمعارف بعد ازدهارها من العصر التاسع حتى الثالث عشر أعطت للغرب مراجع علمية وفلسفية وأدبية هامة ولمن يترجم إلى اللاتينية والعبرية واللغات الشعبية الأوروبية الأخرى كما قدمت لهم نماذج في التاريخ والتنظيم التجاري والمعاملات الاقتصادية . وفي ذلك يقول الأستاذ جورج سارتون : « ان الحضارة العربية في العصور الوسطى من الأهمية بمكان لكل دارس ومحقق في المدنيات ولا سيما أولئك العلماء الذين يهمهم استرجاع الكرامة البشرية ورفع مستواها وصيانتها بالوقوف في وجه المقاومات والتعصب الشعبي والعالمي الذي تحدق بها أخطاره . لقد كانت من نواح كثيرة ولا تزال جسرا ، أو بالحري الجسر الهام بين الشرق والغرب .
لذا حين نشاء أن نفسر الحضارة الغربية لا نقدر أن نتغاضى عما قدمته الحضارة العربية لئلا نخرب ونشوه كل الصورة التي نحاول رسمها فنجعلها غامضة مشوشة . . . ان فهم التراث الإسلامي وإدراك قيمته يساعدنا على فهم حضارتنا الغربية لأن الهوة التي قامت بين الحضارتين الغربية والبيزنطية ما أمكن اجتيازها إلا بما تركه العرب من تراث للغرب » « 1 » . أما هذا التراث العربي فإني ممن يعتقدون انه لا يزال يحتاج إلى الدرس والتعقيب لنزنه بتدقيق وروية ونحكم على فضله وما قدم في تاريخ الحضارات الانسانية من جديد مبتكر ، هذا ان أبعد الأجنبي عن هذا التراث ما يصوبه ضده من التعصب أو ينصبه له من العداء بلا سبب .
هامش
( 1 )George Sarton , A Guide to the History of Science , Waltham , Mass . Chronica Botanoca , 1952 , PP . 29 - 32 . See . also R . Chambliss . Social Thought , New York , 1954 , PP , 285 - 6 .