وقد بدأ اتجاهه الوطني وهو في السادسة عشرة وكان طالبا بالمدارس ، وقد عرف فيه ذلك علي باشا مبارك ، وتنبأ له بأنه سيكون رجلا عظيما ، وكان يكتب في الصحف ، وأنشأ مجلة المدرسة ، ولما تخرج اشتغل محاميا عن الأمة يدافع عن حقوقها وحريتها واستقلالها ، وقد سافر إلى أوروبا مرات كثيرة يدعو لمصر ، وخصوصا فرنسا ، حتى اشتهر وأصبح اسمه مرادفا لاحتجاج مصر على إنجلترا ، وكان لا يضيع فرصة لا يحتج فيها ، ومن أشهر موضوعات احتجاجه حادثة دنشواي سنة 1906 م . وقد أنشأ جريدة ( اللواء ) بالعربية ، فاللواءين الإنجليزي والفرنسي ، وأسس الحزب الوطني ، وتولى رئاسته ، وكانت سياسته حيال تركيا ترمي إلى توثيق الروابط الودية بينها وبين مصر ، لكي يتخذ من ذلك وسيلة لمقاومة الاحتلال الإنجليزي .
وكان واسع الآمال ، طموحا للعلى ، مستقل الفكر ، صريح القول ، عصبي المزاج ، نزيه النفس ، لا يلذ له شيء في الحياة غير خدمة بلاده ، وكان خطيبا بليغا . وهو أول من أحيا الشعور الوطني عقب الثورة العرابية ، وقد جاءه الموت السريع في إبان جهاده ، فذهب شهيدا وهو في الرابعة والثلاثين من عمره .
وعرف المصريون له ذلك ، فاتحدوا في البكاء عليه وتعظيمه ، ومشى في جنازته عشرات الألوف .
وقال صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا :
( كان مصطفى أول من حمل لواء الحرية بعد أن طوى زمانا ، وكان أول من صاح تلك الصيحة في طول البلاد وعرضها ، صيحة التضحية ، صيحة الحرية ، صيحة الحب ، صيحة الحياة :
« بلادي بلادي ، لك حبي وفؤادي ، لك حياتي ووجودي ، لك دمي ونفسي ، لك عقلي ولساني ، لك حبي وجناني ، أنت أنت الحياة ، ولا حياة إلا بك يا مصر » .
كان مصطفى مقداما ، يخلق الحماسة ويتعهدها ، لأنه يعلم أن الحماسة في حياة الأمم تنزل منها منزلة الروح من البدن ، وأن الشعب إذا غابت عنه الحماسة غابت عنه الحياة ، فكان يعمل ليله ونهاره ، كاتبا وخطيبا ، على تغذية العاطفة الوطنية وإيقاظ الجماهير التي كان يجذبها بشخصه وإيمانه وشجاعته ) .
الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية — صفحة 170
مساهمون: زكي محمد مجاهد
ص١٧٠