السوس بالمغرب الأقصى ، وهي مدينة حظيت بحركة علمية مزدهرة .
أخذ الروداني العلم على علماء بلده في شبابه ثم رحل في طلب المعرفة فأخذ عن شيوخ مراكش والجزائر ومصر ، وجاور بالمدينة مدة ثم غادرها لتكاثر مكائد حسّاده ، فدخل مكة المكرمة للإقامة بها وجاور سنوات عديدة ، وبها تزوّج وابتنى دارا . وفي سنة 1080 ه تعرّف على الوزير الأعظم مصطفى بك وسافر معه إلى القسطنطينية سنة 1081 ه فحظي بالعناية والتقدير ، وقيل إنه اجتمع بالسلطان العثماني ، ومكث هناك سنة يفيد ويستفيد تحت رعاية وتقدير الوزير أحمد باشا الكبرلي ، حتى أنه استشير في تولية الشريف بركات ابن محمد . وعاد إلى مكة ليتولّى الوظائف السياسية العظيمة ، وجاءت أوامر السلطنة العثمانية بتوليته « النظر في أمور الحرمين الشريفين حتى صار شريف مكة لا يصدر إلّا عن رأيه ، وأنيطت به الأمور العامة والخاصة » .
وظهرت له مواقف عظيمة في فعل الخير والمبرات والنهي عن المنكرات . فقد رتّب نظام الأربطة والزوايا والتكايا ، ورفع أيدي المتسلّطين عليها فأخرجهم منها وفتحها للمستحقين الذين تنصّ عليهم أوقافها ، وبنى الأربطة الجديدة ، ومهّد الطرقات إلى الحجون وعقبة منى ، ورتّب مقابر الغرباء والفقراء ، وقاوم البدع المنتشرة في عصره ونهى الناس عن إقامة موالد يجتمع فيها الرجال والنساء وخاصة تلك التي كانت تقع في مدفن عبد اللّه العيدروس صاحب الشبيكة .
فأثارت أعماله هذه أصحاب البدع والمصالح واغتنموا فرصة وفاة الوزير العثماني فأثاروا ضدّه الشريف بركات وطلب من السلطان الأمر بإخراجه من مكة ، فجاء أمر السلطان بإخراجه إلى بيت المقدس سنة 1093 ه بعد أن أهين ونيل منه وسبّته العامة وأساءت إليه ، وقيلت في هجائه أشعار كثيرة وقحة . فكان الرجل ضحية أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر . حتى أن أغلب مؤرخي مكة المعاصرين له لم يكونوا يعرضون أخباره بنزاهة ، فكان الكثير منهم ينقل انتقاد العامة له ويتغاضى عن ذكر المنكرات والبدع التي كان يحاربها ، وربما ظهرت عند بعضهم صيغ تنمّ عن شماتتهم به لما وقع له من
التاريخ والمؤرخون بمكة — صفحة 359
مساهمون: محمد الحبيب الهيلة
ص٣٥٩