تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تراجم المؤلفين التونسيين — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وكان أديبا شاعرا نحويا ، منطقيا ، له مشاركة في العلوم المتداولة في عصره ، وأحرز على شهرة واسعة تجاوزت حدود البلاد فدارت مراسلات بينه وبين علماء استانبول ، وتوثقت الصلة بينهم فاستغلها في تكليفهم بشراء ما يحتاج إليه من الكتب المفقودة في تونس ، لا سيما كتب العلماء الأتراك والفرس ، وقد استفاد منها في تدوين حاشيته على شرح الخبيصي للتهذيب في المنطق . وله مراسلات مع الشيخ عمار الشريف القسنطيني من خريجي جامع الزيتونة ، منها مباحثته في مسألة الاستدلال على عرضية العقل ، وأنه ضعيف ، وتكررت بينهما المراسلات ، وحكم بينهما العلامة الشيخ محمد النيفر برسالة . وبالرغم من أنه لم يعمر طويلا ومات وهو ما يزال غض الإهاب ، لم يستوف أمد اقرانه وذلك في الطاعون الجارف المعروف بالوباء الكبير الذي حصد آلافا من الخلائق فإنه ترك تراثا علميا محترما مما ينبئ عن ذكاء وقاد خارق ، وعن تأثير خصائص بيئته الأولى فيه من الكد ومواصلة العمل بدون فتور ولا وناء ، وعدم إضاعة الوقت الثمين فيما لا يجدي من السفاسف وتوافه الأمور ، ومن يقلب أوراق كتب الطبقات والتراجم للمغاربة والمشارقة يظفر بكثير من الأمثلة على احتمال أبناء القرى لشظف العيش في سبيل طلب العلم ، ويظهر له سر تفوقهم ونبوغهم ، وتبدو تأثيرات البيئة الأولى في أجلى صورها وأرفع مظاهرها . وكان يجيد ارتجال الشعر مع متانة الصوغ وقوة السبك ، وبدت هذه الميزات في باكورة انتاجه ، يحكى أنه كان جالسا مع رفاق له ذات مساء على سطح مخازن من القطران بالبحيرة في مدينة تونس ، فأظلم الجو لتراكم السحب ، وأسودت الجبال فاقترحوا عليه أن يقول شعرا في وصف الحال ، فارتجل بديهة هذه القطعة وهي أول مرة ينظم فيها شعرا :
انظر إلى لون الجبال وقد بدت * مسودة لما ارتدت بغمام فكأنها قلبي المسوّد بالجفا * مما بدا لك من ضياع ذمام