الشعراء من قبله على وصف نوح الحمام الذي يستدر دمعهم فيبكون معه . أما أبو فراس فإنه يظلّ ، رغم ما يفصح عنه من هشاشة ، الفارس الذي لا يجزع للمصاب .
يقول :
لقد كنت أولى منك بالدّمع مقلة * ولكنّ دمعي في الحوادث غال
ولأبي فراس مقطعات عديدة يفصح فيها عن تشيّعه وولائه لآل البيت . وهو كثيرا ما يطرق هذا الباب معتبرا تشيّعه بمثابة صحيفة بها سينال الفوز يوم الدين . يقول [ من الخفيف ] :
لست أرجو النجاة من كلّ ما أخ * شاه إلّا بأحمد وعليّ
وببنت الرسول فاطمة الطه * ر وسبطيه والإمام عليّ
. . .
بهم أرتجي بلوغ الأماني * يوم عرضي على الإله العليّ
[ الديوان ، ص 157 ] .
وله قصائد قالها في الصيد واللهو باعتبار الصيد من تمام صفات الفارس في ذلك العصر . وتجسّد أرجوزته في الطرد التي مطلعها من الرجز :
ما العمر ما طالت به الدّهور * ألعمر ما تمّ به السّرور
[ الديوان ، ص 319 - 328 ]
مدى اقتداره على جعل الشعر ينفتح على السرد . فهو يصف الطرائد وقت ملاحقتها واصطيادها . فتتحوّل الصور التي يصف فيها الصيد إلى مشهد أقرب ما يكون إلى المعارك التي لا يمضي إليها المرء إلا بعد إعداد العدّة والعدد . فهو يصف الاستعداد للرحلة والأوامر التي يصدرها للصقّار والفهّاد والطبّاخ . ثم يصف المكان والزمان الذي تدور فيه المطاردة وكيفيات الإيقاع بالطرائد .
ويتمكّن في هذا اللون من رفد الشعر ببعد قصصي يخيّل الأحداث والوقائع بواسطة التفنّن في الوصف المدقّق للطرائد والكلاب والصقور وبهجة الرفقة وتهليلهم عندما تقع الطرائد في قبضتهم .
إن طرديات أبي فراس صادرة عن فارس خاض غمار الحروب . لذلك يستعير في هذا اللون من الشعر القاموس الذي استخدمه في وصف المعارك والحروب ، ويتوسّع فيه مضيفا إلى اللون الأوّل لونا جديدا .
غير أن الناظر في ديوان أبي فراس يلاحظ في يسر أن رائيته التي مطلعها [ من الطويل ] :
أراك عصيّ الدمع شيمتك الصّبر * أما للهوى نهي عليك ولا أمر
[ الديوان ، ص 157 - 161 ]
تمثّل القصيدة الجامعة لأغلب الأغراض التي طرقها في مجمل أشعاره ، وتكشف مدى شاعريته واقتداره على التصرّف في الكلام .
فهو لا يقف على الديار ولا يتبع سنن القول المتداولة ، بل يفتتحها بمطلع غزلي ذي طابع حواري . لكن الحوار يتّخذ مظهرين : أولهما حوار ذاتي يقوم فيه الشاعر باستبطان الذات ومحاورتها . أما الثاني فهو الذي يمدّ القصيدة ببعد تمثيلي مشهدي يقوم على الحوار المباشر :