دعوتك والأبواب ترتج دوننا * فكن خير مدعوّ وأكرم منجد
[ الديوان ، ص 83 ]
وهو يعلن أنه لا يخشى الموت . وإنما يعزّ عليه أن يموت غريب الدار أسيرا عند الروم .
لأن الموت في ساحات الوغى بطولة ومجد ، وميتة الأسير لا تخلو من هوان . يقول في القصيدة نفسها [ من الطويل ] :
دعوتك للجفن القريح المسهّد * لديّ وللنّوم القليل المشرّد
وما ذاك بخلا بالحياة وإنّها * لأوّل مبذول لأوّل مجتد
. . .
ولكنني أختار موت بني أبي * على صهوات الخيل غير موسّد
وتأبى وآبى أن أموت موسّدا * بأيدي النّصارى موت أكمد أكبد
. . .
أناديك لا أنّي أخاف من الرّدى * ولا أرتجي تأخير يوم إلى غد
. . .
ولكن أنفت الموت في دار غربة * بأيدي النّصارى الغلف ميتة أكمد
فلا تترك الأعداء حولي ليفرحوا * ولا تقطع التسآل عنّي وتقعد
[ الديوان ، ص 82 - 83 ]
إن الصورة التي رسمها أبو فراس لنفسه في مدائحه وفي أشعاره التي طرق فيها غرض الفخر ، صورة فارس فتى لا يعرف الضعف ولا تشينه الهشاشة . فهو البطل المقدام الشجاع الكريم الذي تعرف قيمته في الشدائد وفي « الليلة الظلماء يفتقد البدر » . لكنه حين غيّب في السجن رسم لنفسه صورة جعلته أقرب إلى النفس . إذ كشف في رومياته عن هشاشة بالغة . وهشاشته تلك هي التي جعلته يطوّر أبوابا طرقها غيره من قبل . من ذلك مثلا قصيدته التي حاور فيها حمامة حطّت بالقرب منه إذ هو في الأسر . يقول [ من الطويل ] :
أقول وقد ناحت بقربي حمامة * أيا جارتا هل تشعرين بحالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى * ولا خطرت منك الهموم ببال
. . .
تعالي تري روحا لديّ ضعيفة * تردّد في جسم يعذّب بال
[ الديوان ، ص 238 ]
ولئن كان هذا الباب غير مبتكر ، فقد طرقه عنترة في ما قبل الإسلام وابن دريد في بداية القرن الرابع فإن أبا فراس قد غيّر من أساليب التناول . فبنى الأبيات على المقابلة بين الأسر والحرية ، وبين الضحك والبكاء ، وبين الندب والسلوان . يقول :
أيضحك مأسور وتبكي طليقة * ويسكت محزون ويندب سال
والمقابلة هي التي تمكّن الشاعر من فتح هذا الباب على الفروسية والجلد . فلقد درج