أعمالها ، يداوي المرضى في البيمارستان النوري الكبير ، ويتولى الإشراف على الساعات التي للجامع الأموي . وكان له في دمشق عطاءان في الشهر ، أحدهما من طبه بالبيمارستان الكبير النوري ، والثاني من تفقده إصلاح ساعات الجامع الأموي الكائنة خارج باب جيرون ، والتي صنعها محمد بن رستم الساعاتي ، ( ت 580 ه / 1184 م ) ، في زمن نور الدين محمود بن زنكي ، وتعرضت آلاتها للفساد وبطلت أكثر حركاتها ، وعدمت أعمالها ، فأوكل إلى المهندس الحارثي إصلاحها والإشراف عليها ، وقد انتقده رضوان بن محمد بن رستم الساعاتي ، ( ت 620 ه / 1223 م ) .
عمل الحارثي المهندس في إصلاح الساعات ، فقال الساعاتي : « اعتمد في أمرها على الحكيم أبي الفضل النجار ، الذي لقب نفسه بالمهندس ، وهذا الرجل قد كنت أحسن الظن به ، لأمور منها : إنه كان عنده سكون كثير ، فكنت أعتقد أنه لعلم وثبات ومعرفة وأناة ، ومنها : عدم المسارعة إلى الإجابة عما يسأل عنه ، فكنت أظن ذلك تثبتا منه ومعرفة ، إلى أن اطلعت على ما عنده ، وتفاوضنا في أمور تتعلق بالهيئة وغيرها فوجدته كالسراب ، واطلعت له على مسائل أجاب عنها تدل على تخلف عظيم ، منها أنه سئل : هل البروج من كواكب الكرة الثابتة أم لا ؟ ، فقال : لا ، وأشياء غير هذا كثيرة ، وكانت أيضا ساعات الليل معه بطالة وساعات النهار مختلفة جدا » [ رضوان بن محمد بن رستم ، عمل الساعات والعمل بها ، 10 ] .
وما أخال نقد رضوان بن محمد بن رستم الساعاتي له إلا من باب التحاسد بين العلماء فقد نقد ابن الساعاتي كل من تولى إصلاح الساعات والإشراف عليها بعد وفاة والده ، فقد نقد كلا من مهذب الدين بن النقاش ( ت 574 ه / 1178 م ) ، والمهذب بن الحاجب ( ت 592 ه / 1195 م ) ، نقدا مرا ، لأنه كان يرى بأن والده أي رضوان قد استودع سر الساعات والعمل بها عنده وحده ، وهو الأولى في تولي إدارتها والإشراف عليها ، وقد تم له ذلك وعهد إلى رضوان بإصلاح الساعات وتقويمها [ رضوان بن محمد بن رستم الساعاتي ، كتاب الساعات والعمل بها ، 4 ، 6 ، 11 - 12 ] . ومع كل هذا النقد إلا أن رضوان أقر ببعض الصفات الأخلاقية الحسنة التي تحلى بها الحارثي المهندس ، مثل السكون الكثير ، وعدم التسرع في الإجابة إلا بعد التثبت والتأكد . سيما وأن الحارثي المهندس ما ادعى علو الكعب ولا اليد الطولى في علم الهيئة والنجوم .
وعلاوة على ذلك ، فقد اشتغل الحارثي بالأدب وعلم النحو ، وكان يقول الشعر ، وشعره جيد مقبول . وله مساجلات أدبية مع علماء عصره وأصدقائه مثل القاضي محيي الدين بن القاضي زكي الدين ، محمد بن الزكي الدمشقي ( ت 587 ه / 1191 م ) ، وصديقه الطبيب أبي الثناء محمود بن عمر بن محمد بن شجاع الحانوي ، ( ت 635 ه / 1237 م ) المعروف بسديد الدين بن رقيقة ، والذي كان يعمل في جراحة العيون وقدح الماء النازل في العين في البيمارستان النوري .
وتوفي الحارثي سنة 599 ه / 1202 م ، بإسهال عرض له ، عن عمر يناهز السبعين سنة .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 76
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٧٦