وحنكته ودهائه في تحقيق مآربه ، ولكن سرعان ما يكتشف الراوي أمره ، وغير ذلك .
وتجمع المصادر على أن كتاب المقامات قد لاقى من الإقبال ما لم يلاقه كتاب آخر ، لأنه جمع من حقيقة الجودة والبلاغة ، واتساع الألفاظ والبراعة ، فاختار ألفاظه وأحسن نسقها ، وقد بلغ النثر الفني ذروته في مقاماته ، فهو يقص بعض مشاهدات أديب متجوّل هو أبو زيد السروجي ، غير أنه لا يهتم في مقاماته تلك بأن يصوّر هذا الأدب الذي ابتدعه خياله تصويرا حيا ما أمكن وأن يصف بيئته وصفا يبرزها ويقربها من القارئ بقدر ما كان يهتم بتزيين أخباره بكل ما يمكن من عرض ثقافته اللغوية والدقائق الإعرابية التي تقيّد القارئ وتشغله أكثر من المضمون .
صحيح أن الحريري سار في مقاماته على غرار المبدع الأول للمقامات وهو بديع الزمان الهمذاني ، وذلك من حيث البناء الفني والالتزام بشخصيّتي الراوية والبطل ، فهي كلها حكايات قصيرة وإن كان ينقصها الحبكة القصصية وتسلسل الأحداث ، ومن ناحية كشف العيوب الاجتماعية ، ومعالجة المسائل الفكرية واللغوية . وقد تفوّق الحريري في الصياغة الأسلوبية ، والإحكام الدارمي ، حتّى أصبحت مقاماته النموذج الذي يحتذى فيما بعد ، فكثر شراحها ودارسوها ، لأنها غدت النموذج الجدير بالتقليد ، ومما يدل على سيرورتها أنه كتب بخطه على سبعمائة نسخة من مقاماته قرئت عليه .
آثاره
1 - درة الغواص في أوهام الخواص ، وهو كتاب في أخطاء المتكلمين اللغوية التي يقع فيها حتى الخاصة منهم ، متوهمين صحتها .
ويعد هذا الكتاب من أهم مصنفات التثقيف اللغوي وتقويم اللسان ، ولذلك عني به اللغويون والنحويون وشرحوه ، وبلغت شروحه التسعة . وذيله الجواليقي موهوب بن أحمد ( 540 ه ) بتكملة ، ونظمه الوراق المصري ( 695 ه ) مع مختارات من شرح ابن بري له .
وممن شرحه إضافة إلى ابن بري شهاب الدين الخفاجي ( 1096 ه ) ؛ طبع الكتاب في ( ليبزج ) سنة 1871 م ، وفي القاهرة عدة طبعات منذ سنة 1892 م ، وفي ( الآستانه ) سنة 1882 م وتجددت طبعاته حديثا ؛ وثمة طبعة للكتاب بتحقيق عرفان مطرجي صدرت عن مؤسسة الكتب الثقافية في بيروت سنة 1988 م ، وتقع في ( 302 ) صفحات ؛ وهناك طبعة له بتحقيق عبد الحفيظ فرغلي ، صدرت عن دار الجيل في بيروت سنة 1990 م ، وتقع في 967 صفحة ؛ 2 - مقامات الحريري ، وهو كتاب يضم خمسين مقامة ، وضعها الحريري مترسما نهج بديع الزمان الهمذاني ، مبتكر هذا الفن النثري في العصر العباسي .
حظيت المقامات باهتمام القراء في عصرها ، وذاعت ذيوعا شديدا ، واتخذت مادة للتثقيف الأدبي واللغوي مدة من الزمن ، ولذلك تعاقب الأدباء على شرحها ، وبلغت شروحها ثمانية وثلاثين شرحا ، وأربت بعض تلك الشروح على العشرين مجلدا ، وهو شرح تاج الدين بن أنجب الساعي ( 674 ه ) . استدرك عليها ابن الخشاب ( 567 ه ) في كتابه « الاستدراكات على مقامات الحريري وانتصار ابن بري للحريري » ، وعلى هذا الاستدراك ردّ لعبد اللطيف بن يوسف البغدادي ( 629 ه ) ،