بات الخيال من الصّليت مؤرقي * يعزى السراة مع الرباب الملثق
ما راعني إلا بياض وجيهه * تحت الدّجنّة كالسّراج المشرق
ولم يوفق الشاعر في حياته فقد ماتت زوجته في وقت مبكر وابنه صغير .
نشأ طريح في دولة بني أمية ، واستفرغ شعره في الوليد بن زيد ، وكانت أم الوليد ثقفية ، وأصبحت صورة الوليد النموذج الذي أراده الشاعر في القدرة والاستحالة والتصور ، وبالغ في تحديد معالم الصورة ، حتى خرجت عن إطار الشكل المألوف ، يقول :
جواد إذا جئته كفاك * السؤال وإن عدت عادا
خلائقه كسبيك النّضا * ر لا يعمل الدهر فيه فسادا
وقد كان الوليد بن زيد يكرمه ، وكانت له منزلة ومكانة مرموقة ، فكان الوليد ، كما قال الأصفهاني ، يدني مجلسه ، ويجعله أول داخل وآخر خارج ، ولم يكن يصدر إلا عن رأيه وكانت مدائحه فيه تتحدد من خلال الصلة الوثيقة التي تشد بينهما ، والعهد والصداقة التي تربطهما ، والنسب الذي يجمعهما لأن أم الوليد كانت ثقفية .
وحسد الناس طريحا ، ولم يكونوا من عامة الناس بل من أهل بيت الوليد ، واستعانوا بحماد الرواية ، كما يذكر صاحب الأغاني ، وقالوا له : والله لقد ذهب طريح بالأمير ، فما نالنا منه ليل ولا نهار . فقال حماد : أبلغوني من ينشد الأمير بيتين من الشعر ، فأسقط منزلته ، فطلبوا إلى الخصي الذي كان يقوم على رأس الوليد ، وجعلوا له عشرة آلاف درهم على أن ينشدهما الأمير في خلوة ، فإذا سأله من قول من ذا ؟ قال : من قول طريح .
والبيتان هما :
سيري ركابي إلى من تسعدين به * فقد أقمت بدار الهون ما صلحا
سيري إلى سيّد سمح خلائقه * ضخم الدسيعة قرم يحمل المدحا
وفعل الخصي ما طلب منه ، فغضب الوليد ، وأمر بأن يمنع طريح من الدخول عليه .
وحدثت القطيعة ، واستمرت مدة من الزمن ، إلى أن عرف طريح ما فعل به ، فاحتال أن يرده من بين الناس ، فدنا ، فسلم ، فلم يرد عليه السلام ، فقال طريح يستعطفه ويتضرع إليه :
نام الخلي من الهموم وبتّ * لي ليل أكابده وهمّ مضلع
وسهرت لا أسرى ولا في لذة * أرقى وأغفل ما لقيت الهجّع
أبغي وجوه مخارجي من تهمة * أزمت عليّ وسدّ منها المطلع
جزعا لمعتبة الوليد ولم أكن * من قبل ذاك من الحوادث أجزع
يا ابن الخلائف إن سخطك لامرئ * أمسيت عصمته بلاء مقطع
فلأنزعن عنّي الذي لم تهوه * إن كان لي ورأيت ذلك منزع