في هذا الزمان ، وله إدراك جيّد برجال الحديث : جرحا وتعديلا ، فيعرفهم كما يعرف أقرب الناس إليه ، ويعرف ما قاله العلماء عن كل فرد منهم ويتابع ما يقال عنهم يعينه في ذلك ما وهبه الله من حافظة قوية ، وفراسة لا تخطئ وذاكرة لا نظير لها .
ولذا كان له استقلالية في مجال الفتوى :
فيخالف شيوخه وخاصة الشيخ محمد بن إبراهيم مع تأدبه معه ، إلا أنه يفتي بقوة الدليل وترجيح الأدلة ، ويخالف ما يفتي به علماء الحنابلة ، أحيانا بحجّة قوية يراها ، ويحرص على التسيير انطلاقا من هذه الآية الكريمة :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة :
286 ] . لرفع الحرج والمشقة على الناس وانتهاج طريقة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما .
جبل الشيخ عبد العزيز بن باز ، على صفات حميدة وطبائع فريدة ، منذ حداثة سنه فكانت خلقا فيه غير متكافلة ، وسجيّة من سجاياه المتمكّنة من نفسه ، وهي صفات كثيرة نجتزئ منها :
1 - حرصه على ترسّم خطى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فقد كان في جميع أموره : الدينية والدنيوية يهتم بأفعال وخصال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ليطبقها في نفسه عملا ، وعبادة وذكرا وحثا على ذلك .
2 - الكرم ، فهو كريم بماله وكريم بطعامه ، وكريم بجاهه ، وكريم بعلمه .
3 - التواضع والحلم ، فهو في تواضعه ليّن الجانب ، يألفه الصغير والكبير ، النساء والرجال متأسيا برسول الله في ذلك ، يحرص في تواضعه بأن يتلطّف إلى السائلين والسائلات ، ويرق لهم في الإجابة ، ويتبسط في عرض الجواب بحسب مقدرة وفهم السائل ومستواه ، لا يتشدد ولا يعنف . يقف للطفل الصغير إذا كان له حاجة .
4 - حبه للعلم والعلماء ، واهتمامه ببذل العلم : فقد جلس لطلاب العلم منذ تعيّن قاضيا في الخرج عام 1357 ه ، فوفدوا عليه من داخل المملكة ومن خارجها وتزايد عددهم . فكان يجلس لهم في أوقات متعدّدة بعد فراغه من أعمال القضاء اليومية ، ثم بعدما انتقل للرياض مدرّسا في المعهد العلمي وكلية الشريعة ، كان يخصّص أوقاتا للدارسين عنده ، وزاد اهتمامه بالتعليم عندما تعيّن في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة ، فكان مع تدريسه في الجامعة والأعباء الإدارية ، كانت له دروس في مسجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وكان يرعى الطلاب ويوجّههم ويساعدهم بعد التخرّج ، ويحنو عليهم وقد نفع الله بالمتخرّجين منها في بلادهم ، تعليما وتعلّما ودعوة إلى دين الله الحق لأنهم استرشدوا بتوجيهاته ، كما كان يتابعهم ويمحضهم بنصحه وتوجيهه .
لقد أحدثت وفاته أصداء كثيرة ، في جميع وسائل الإعلام ، المرئي والمسموع والمقروء ، ولم تخل وسيلة إعلام في العالم الإسلامي ، إلا وأبّنته وكتب عنه فيها ، ومن رجالات الدولة وأرباب القلم التي تصدر فيها ، لمعرفتهم بالشيخ عبد العزيز بن باز ومكانته من قلوب المسلمين في كل مكان .
وقد أحصيت في صحف المملكة أكثر من خمسمائة مقال وقصيدة في رثائه ، وما ذلك إلا لمكانته الكبيرة في عون الآخرين ، وقد أجمعت القلوب على محبّته ، وهم شهداء الله في أرضه وقد بان صدى ذلك بعدما توفّي وإن