أما « زادة » فهي من التركية عن الفارسية وتعني السلالة ، الذريّة ، ويغلب أن تستعمل في أنساب الأسر الشريفة .
يذكر المستشرق الألماني أوتو شبيس
Otto Spies
: « يفهم من كلمة أدب الطبيب ليس توجّه خلق الطبيب نحو المناحي الإنسانية والنبيلة فقط ، ولكن المعارف والنوعيّة التي تسم تكوينه كطبيب ، والتي يحتاجها في سلوكه الاجتماعي بدءا من القرنين الثاني والثالث الهجريّين ، وهكذا فإننا نجد أعمالا تتعلّق بأدب القاضي أو الوزير أو الكاتب أو حتى الصوفي » .
وفي « رسالة في ماهية الطب » نجد الطبيب محمد بك زادة لا يعرض لنا نظريّة في العلم الطبي فحسب ، ولكنّه يعطي عددا أكبر من النصائح ، ويطوّر بذلك أدبا ( خلقا ) للطبيب يخيّل لنا معه أنّه يقرّر سلوك الطبيب الاجتماعي أو ما يسمّى بالأخلاق الطبية لا كما يميل الفلاسفة التقليديّون إلى تقرير وإقامة نظريات أخلاقية تشمل الجنس الإنساني ، ولكنّه يتناول جانبا أكثر تحديدا يتضمّن مجموعة المبادئ والأفكار التي توجّه سلوك الطبيب اليومي والمهني والعلاقة بين الطبيب والمريض .
وفي سبيل اكتساب علم الطب راعى الأطبّاء القدامى تعلّم علوم أخرى مساعدة تكون عونا للمتعلّم كعلم المنطق والفلك والحساب . . .
وغيرها ، والهدف منها تدريب ذهن المتعلّم ، وإكسابه المهارات القليلة اللّازمة لتسخيرها في علم الطب ، وقد ذكر محمد بك زادة لائحة العلوم والمعارف التي يحتاجها الطبيب ، وهي على الترتيب :
1 - علم المنطق ؛ 2 - علم الطبع ؛ 3 - علم الهندسة ؛ 4 - علم الهيئة ؛ 5 - علم أحكام النجوم ؛ 6 - علم الحساب ؛ 7 - علم المناظر ؛ 8 - علم الموسيقي ؛ 9 - علم الفراسة .
وقد حرص على ذكر تعريف مختصر لكلّ علم ، وإيراد منفعته للطبيب في سياق عمله الطبّي ، كما أورد تعريفا واضحا للطبيب « وهو من تكاملت فيه الفضائل كلّها التي هي : العلم التعليمي والطبيعي والإلهي ، وصناعة المنطق والطبّ وصالح الأعمال ومحاسن الأخلاق والأفعال ، وأنه من كان كاملا في الطب وناقصا في واحد منها فهو يعد متطبّبا لا طبيبا » ، أمّا المتعلّم فهو « من لم تتكامل فيه صناعة الطب » .
والواقع أنّ محمد بك زادة كان أكثر تفصيلا من سابقية من الأطبّاء الذين تعرضوا لموضوع أدب الطبيب أمثال : صاعد بن الحسن ( ت بعد 464 ه / 1011 م ) في كتابه « التشويق الطبي » والعلّامة قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي ( ت 710 ه / 1311 م ) في كتابه رسالة في بيان الحاجة إلى الطبّ والأطبّاء ووصاياهم .
ولذلك يمكن اعتبار كتابه خاتمة الكتب التي دوّنت عن أدب الطبيب وعلومه ومعارفه بحسب التقاليد القديمة ، وتكشف ملامح فترة تاريخية هامة تتعلّق بالصناعة الطبية في الإمراطورية العثمانية . وأبدى الطبيب محمد بك زادة مقدرة في التشخيص والمعالجة بحسب المنظومة الطبيّة اليونانية القديمة ، إلّا أنّه لم يرد أي أثر في كتبه للتيارات الطبّية الأوروبية في عصر النهضة وصراعها مع الطبّ