وأبو نعيم أحمد بن عبد اللّه بن أحمد الأصبهانيّ الحافظ ، وغيرهم .
لقد كان عبيد اللّه بن بطّة على درجة كبيرة من الحفظ والإتقان ، وقوّة الذاكرة ، وحدّة الذكاء ، يشهد له بذلك معاصروه وطلابه ، حتّى عدّ من أذكياء العصر ، قال تلميذه أبو عليّ الحسن بن شهاب العكبريّ : « حضرت مجلس عبيد اللّه ( عبيد اللّه بن بطّة ) وقد حضره مؤدّبي أبو إسحاق الضّرير ، فقال له :
لو اشتغلت بشيء من العربيّة ؟ أو كلاما هذه معناه - فقال : هذا مسند أحمد ، يأخذ أحدكم أي جزء شاء ويقرأ عليّ الإسناد لأذكر المتن ، أو المتن لأذكر الإسناد ! فاحتشمنا أن نقول له ذلك ، أو كما قال » .
وكان عبيد اللّه بن بطّة مع جلالة قدره ، وموفور حظّه ، عابدا زاهدا ، وعالما متواضعا ، مطرح التكلّف ، يميل إلى الخمول والابتعاد عن الناس ، فقد حكى عنه أبو الفتح العكبريّ ، قال : وجدت بخطّ أبي قال : اجتاز الشيخ أبو عبد اللّه بن بطّة بالأحنف العكبريّ ، فقام له ! فشق ذلك عليه ، فأنشأ يقول :
لا تلمني على القيام فحقّي * حين تبدو أن لا أملّ القياما
أنت من أكرم البريّة عندي * ومن الحقّ أن أجل الكراما
ومع اعتلال صحته وإصابته بناصور في عينيه منع من تناول العشاء لأجله ، فكان يسرد الصّوم ، ويجعل عشاءه قبل الفجر بيسير ، ولا ينام حتّى يصبح . وكان عالما بمنازل الفجر والقمر .
وكان رحمه اللّه أمارا بالمعروف ، نهاء عن المنكر ، لم يبلغه خبر منكر إلّا غيّره ، وكان حسن الهيئة ، لم ير في شيوخ أصحاب الحديث ولا في غيرهم أحسن هيئة منه .
وكان يكثر من إيراد الأحاديث الدالة على مكانة الفقيه ، وما يجب أن يكون عليه من خشية اللّه تعالى ، والخضوع له ، وعدم الحسد للآخرين ، وعدم أخذ الأجرة على العلم ، وكأنّه يذكر طلابه ويرشدهم إلى واجبهم في المستقبل ، لأنّ في هذه الأحاديث تبصرة وذكرى لأولي الألباب الذين يخافون اللّه ويخشونه في الغيب ، وليكونوا قدوة لغيرهم .
وكان من جملة تلك الأحاديث ما رواه : عن عليّ بن أبي طالب ، كرم اللّه وجهه ، قال :
« ألا أخبركم بالفقيه كلّ الفقيه ؟ من لم يقنّط الناس من رحمة اللّه ، ولم يؤمّنهم من مكر اللّه ، ولم يرخّص لهم في معاصي اللّه ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره » .
وعن الفضيل بن عياض قال : « إنّما الفقيه الذي أنطقته الخشية ، وأسكتته الخشية ، إن قال قال بالكتاب والسّنّة ، وإن سكت سكت بالكتاب والسّنّة ، وإن اشتبه عليه شيء وقف عنده ، وردّه إلى عالمه » .
وعن أبي حازم قال : « لا يكون العالم عالما حتى يكون فيه ثلاث خصال : لا يحقّر من دونه في العلم ، ولا يحسد من فوقه ، ولا يأخذ علمه دنيا » .
وعن الحسن البصريّ قال : « ما رأيت فقيها قط ، إنّما الفقيه : الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، الدائب على العبادة ، المتمسك بالسنة » .