عودته عرّج على برلين ، وبحث في خزانة الكتب الملكية .
أما بالنسبة إلى مكانته العلمية ، فقد عرفت المحافل العلمية في الشرق والغرب مقدرته العلمية ، ونبوغه ومواهبه هذه ، فاعتبرته حجّة فريدة في مواضيع التاريخ الشرقي ؛ لذلك كان علماء المشرقيات في الغرب يستشيرونه ، في كلّ صغيرة وكبيرة ، ويكتبون إليه مستفتين عن مواضيع تاريخية ولغوية وأدبية كبيرة ، فيجود عليهم بالأجوبة المقنعة الكافية ، وينقذهم من أخطاء علمية وتاريخية كثيرة ، وبناء على هذه المنزلة التي حازها فقد عيّنته جامعة شيكاغو عضوا في المعهد الشرقي ، إثر المحاضرة النفسية التي ألقاها في هذه الجامعة .
في عام 1932 عيّن عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق ، وكانت خدماته لهذا المجمع عظيمة ، لأن نزعته العربية والوطنية ، كانت تحبّب إليه كلّ شيء ، وعلى الأخصّ لغة الضاد العزيزة ، وقد نشر مقالات نفيسة في هذا المجمع الكريم .
وعلى الصعيد الوطني ، فقد أصاب لدى المغفور له الملك فيصل الأول حفاوة ومكانة ؛ وله مواقف معروفة في المؤتمر العربي بدمشق ، ومؤتمر فرساي ، وكان له دور إيجابي في المعاهدة السورية الفرنسية عام 1936 ، وكانت علاقته سلبية مع السلطة الفرنسية المنتدبة .
ألقى في مؤتمر باريس عام 1919 كلمة باللغة الفرنسية ، تطرّق فيها إلى أسس السلام في العالم ، وبسط حالة البؤس والحرمان المحيطة بالشرقيين ، وتوسّع في وصف المصائب والكوارث ، التي ابتلي الشرق بها ، وقال بعد المحاضرة : لم أر دمعة تسيل على خد ، ولم أجد نظرة إشفاق على بؤس الشرقيين ، وشعرت أنني أخاطب أصناما جامدة وصخورا صمّاء ، ويضيف قائلا : لقد اجتمعت ببعض أحرار العرب ، ووضعنا بعض النقاط ، ودخلنا سويّة في اليوم الرابع إلى الموتمر ، فشخصت إلينا الأنظار ، وتعجّب الحاضرون من أن يدخل مطران مسيحي يحفّ به مجاهدون عرب مسلمون ، وما إن استقرّ بنا المقام حتّى طلب إليّ زملائي أن أتكلّم ، فأكّدت في مفتتح كلامي ، أن العرب عرب سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين ، ثمّ وصفت جهاد العرب ، ومآثر أبطالهم ، وذكرت أنّ لهم حقا مقدسا في الحرية والاستقلال والحياة الكريمة ، لكونهم أمة عظيمة ، لها تاريخها الخالد ، والأيادي البيض على البشرية منذ أقدم العصور . وعندما شكلت حكومة عربية في دمشق تحت الانتداب الفرنسي استعدادا للحكم الوطني المستقل في سورية ، دعي إلى الخطابة في النادي العربي بدمشق ؛ وبحضور جمهرة غفيرة من أبطال العرب ، وأحرارهم آنذاك ، ارتجل خطبة عربية نفيسة ، أظهر فيها حقوق العرب في الحرية ، وأطرى جهادهم في سبيل الاستقلال ، وأشار إلى شهدائهم في دمشق وبيروت .
توفي علّامتنا الكبير في حمص بسوريا صباح الأحد في الثالث والعشرين من حزيران 1957 م / 25 ذو القعدة 1376 ه .
آثاره
هي عديدة ومتنوعة ، تدلّ على عبقرية ومواهب عظيمة ، تمثلت بما تركه من مؤلفات ومقالات