ومن مباحثه في معرفة عروض البلدان ، وارتفاع الشمس في وقت منتصف النهار ، وما يمضي من النهار بقياس الشمس ، ومعرفة الطالع والارتفاع من قبل الساعات قوله في زيجه الممتحن : « إذا أردت أن تعرف الارتفاع من قبل ما يمضي من ساعات النهار فخذ الساعات من طلوع الشمس إلى الساعة المفروضة ، فإن كانت من ساعات الاعتدال فاضربها في خمس عشر ، وإن كانت زمانية ففي أزمان ساعات ذلك اليوم . فما اجتمع من إحدى الجهتين نظرت ، فإن كان ذلك أقلّ من نصف قوس النهار نقّصته من نصف قوس النهار ، وإن كان أكثر منه ألقيت منه نصف قوس النهار ، فما حصل بعد ذلك فهو بعد الشمس عن وسط السماء ، فاعرض وتره راجعا وأنقصه من وتر نصف قوس النهار الراجع . فما بقي فاضربه في وتر ارتفاع الشمس في نصف نهار ذلك اليوم ، فما بلغ فاقسمه على وتر نصف قوس النهار الراجع ، فما حصل فقوسه على ما رسمت لك في تقويس الأوتار ، فما بلغت القوس فهو مقدار الارتفاع على الأفق في تلك الساعة المفروضة قبل نصف النهار فالارتفاع من ناحية المشرق ، وإن كان بعده فهو من ناحية المغرب » .
وممّا ساعد البتّاني على ذلك كلّه هو استخدامه حساب المثلّثات في قياس الميول الفلكيّة ، فهو يعدّ أوّل من سخّر علم المثلثات لخدمة الفلك ، وركّز البتّاني في عمله على المثلّث الكروي وخواصّه . واستخدم جيب الزاوية الذي استنتجه من فكرة الأوتار التي كانت مستعملة عند اليونانيين ، كما ابتكر مفاهيم جيب التمّام ، والظلّ ، وظلّ التمّام ، وألّف جداول دقيقة لظلّ التمّام للزوايا من الصّفر إلى 90 درجة بمنتهى الدقّة . فاستخرج ظلّ التمّام في جداوله الخاصّة بالمثلّثات الكروية من المعادل : ظتا أ - جا أ .
واستخدم لأوّل مرّة الحلول الجبريّة الرياضيّة في حلّ المسائل الهندسية ، وذلك بتطبيق القوانين والعمليات الجبرية على المعادلات المثلّثيّة . وفي زيج البتّاني جدول ذو منزلتين بالظلال الخاصة بشاخص مزولة طوله 12 إصبعا يخصّ دالة جيب التمّام تبعا لمقادير الارتفاع بالدرجات . والجدول طبق فقط على مقادير الظلّ الموافقة لمقادير الارتفاع . وأما طول الشاخص فهو اختياري كطول شعاع الكرة ، وله وحدات خاصّة به .
وقد ترك البتّاني عددا من المؤلفات الهامّة معظمها في علم الفلك أثبت بعضا منها ابن النديم في « الفهرست » ، لم يبق منها سوى كتابه الزيج الصابىء الذي يعتبر في الفلك أصحّ الأزياج والجداول الفلكيّة المعروفة ، لأنّه صحّح فيه حسب استنتاجه وتجاربه العمليّة في مرصدي الرقّة وإنطاكيّة الكثير من الأخطاء الفلكيّة . ويذكر البتّاني في مقدّمة عن علم الفلك : « إنه من أشرف العلوم منزلة ، وأسناها مرتبة ، وأحسنها حلية ، وأعلقها بالقلوب ، وألمعها بالنفوس وأشدّها تحديدا للفكر والنظر تذكية للفهم ورياضة للعقل بعد العلم ، بما لا يسع الإنسان جهله من شرائع الدين وسنّته ، علم صناعة النجوم . لما في ذلك من جسيم الحظّ عظيم الانتفاع بمعرفة مدّة السنين والشهور والمواقيت وفصول الأزمان وزيادة النهار والليل ونقصانهما ،
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 184
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٨٤