عام 1299 ه / 1881 م . وظلّ يمارس هذا النّشاط مدّة سنة ونيف . ثمّ انصرف اهتمامه إلى التّربية الصّوفيّة . وعاد إلى مسقط رأسه ، امباكي بأول ، ليتفرّغ لهذه التجربة ، لكنّه لم يستطع أن يقيم بها طويلا . وذلك لتردّد النّاس عليه وعدم اطمئنان أهله إلى الحركة الجديدة التي جاء بها . وعلى هذا اضطرّ أحمد إلى التّرحال عبر مختلف مناطق السّنغال وموريتانا . وقد أتاح له هذا التنقّل فرصة الاتصال بكثير من الشيوخ المشهورين والاستفادة منهم علميّا وروحيّا .
كما تمكّن خلاله من اقتناء عدد من الكتب المنتشرة في المنطقة في ذلك الوقت . ويبدو أنّ همّه الأوّل كان جمع الكتب الصّوفيّة .
وممّا اقتنى منها كتاب « إحياء علوم الدّين » للإمام أبي حامد الغزالي ، و « قوت القلوب » لأبي طالب المكّي ، و « الرّسالة القشيريّة » .
وكان لهذه الكتب تأثير بالغ في فكره .
ولعلّ أحمد كان يرجو أن تنقطع الحركة التي أزعجت أهله في امباكي بابتعاده عن تلك المدينة فترة من الزّمان . لكن الأمور لم تجر على ما كان يشتهيه . لذلك قرّر تأسيس قرية منعزلة في أدغال الشمال الشّرقي لمدينة امباكي سمّاها دار السّلام . وكان يخلو فيها لتطبيق حصيلة قراءاته الصّوفيّة . لكن توافد عليه الناس مرّة أخرى فاضطرّ مجدّدا إلى البحث عن معزل أصعب مسلكا . وهو المقرّ الذي وجده عام 1887 م بشمال دار السّلام وأطلق عليه اسم « طوبي » .
بداية من هذا التّاريخ بدأت السلطات الاستعماريّة تراقبه . لذلك حاول أن يطمئنها على سلامة نواياه . فأكّد لها أنّه لا يريد إلّا مكانا هادئا يستطيع فيه ممارسة رسالته في التّربية والتّعليم . لكنّ خصومه الكثر كانوا يجتهدون في تكدير علاقته بقوّات الاحتلال الفرنسي .
مهما يكن من أمر فقد اضطرّ أحمد بامبا إلى مغادرة « طوبي » بعد أن اختلّ النّظام الذي وضعه لتربية أتباعه بسبب كثرة الوافدين عليه .
واتّجه إلى جولوف
Djolof
لمواصلة عمله .
لكن كثرت ضدّه وشايات الأعداء وشكاوى الخصوم . فلم يكد يستقرّ في امباكي جولوف عام 1895 م حتّى اعتقلته السّلطات الاستعماريّة في 13 / 08 / 1895 م ونفته إلى الغابون حيث بقي تسع سنوات . بعد ذلك أعيد إلى السّنغال في 21 / 09 / 1902 م .
كانت الإدارة الاستعماريّة ومن حالفها من المسلمين يتوقّعون أن يتفرّق أتباع الشيخ بنفيه . فلم تزده هذه المحنة إلّا عظمة في نظر أتباعه . فازداد بذلك حبّهم له وتعلّقهم به وتفانيهم في خدمته . هذا ما قوّى حركته الدينيّة وجعلها أخطر ممّا كانت عليه ، الأمر الذي أدّى إلى اعتقاله مجّددا في 13 يونيو عام 1903 م وإرساله إلى موريتانيا لدى آل الشيخ سيدي المختار الكنتي بسهوة الماء ( لآل هذا الشيخ علاقات عريقة ودائمة بأسرة الشيخ محمّد بامبا . على أساسها نشط بين الأسرتين تبادل ثقافي لعلّ أجمل آثاره تلك القصائد الرائعة وأخذ آل بامبا الورد القادري من الكنتيّين ) . هناك وضع أحمد بامبا تحت الإقامة الجبريّة لمدّة أربع سنين . ثمّ أعيد إلى السنغال عام 1907 م ليظلّ في الإقامة الجبريّة . وكان ذلك في مرحلة أولى بقرية تشيين (
Thiene
) في منطقة جولوف . وهي