والقطعة متناسقة اللحن ، ومتكافئة العذوبة والرقّة ، وكأنّه يدوزن الأحاسيس الإنسانيّة .
والواقع أنّ الرنّة الغنائيّة في شعر رشيد أيّوب طغت على أسلوبه بشكل واضح .
وعمد أيّوب إلى اتّباع الحواريّة ولعبة الاستفهام كأسلوب من أساليب التعبير الفنّيّ عنده ، فشكّلت الحواريّة مرتكزا فنّيّا ، إن على الصعيد القصصيّ وإن على الصعيد الشعريّ ، وهي شكل من أشكال التعبير عند الشاعر ، ومجال رحب للإفصاح الحرّ ، كقوله في قصيدة « لماذا » في ديوانه « الأيّوبيّات » ، إذ قال :
قالوا لماذا تشتكي * فأجبتهم من قول هات
وفي قصيدة « مرور الزمن » في ديوان « أغاني الدرويش » قال :
لماذا الضجيج وماذا الخبر ؟ * فقالوا : قريبا يمرّ الأمير
أمّا لعبة الاستفهام أو الاستفهاميّة فقد استعملها رشيد أيّوب لإكساب تعابيره نوعا من الإيحاء الجماليّ ، فيقول في « الأيّوبيّات » :
يقولون : في المرّيخ قوم كشكلنا * أناس لهم عقل يناجي كعقلنا
فهل أصلهم نوع التراب كأصلنا * وهل يجهلون الكائنات كجهلنا
وهل يعرفون الحقّ أم هو ضائع ؟
ويعدّ الاستفهام في الشعر من اللّعب البنويّة التي يرتكز عليها الشاعر إذ يكسب بواسطتها قصيدته شيئا من الحيويّة والجدّيّة والاستغراب .
يلجأ الشاعر رشيد أيّوب إلى أسلوب المناجاة عند مخاطبته إنسانا أو جمادا أو شيئا معنويّا ، فينفرد الشاعر مع ذاته في رحلة التأمّل والتفكير ليتوجّه في الخفاء إلى عوالمه الخاصّة ، فيناجي الخيال والوهم تنفيسا عن كرب وترويحا عن نفس يائسة . فمناجاة أيّوب لملهمته أكسبت قصائده نوعا من التبدّل والتطوّر ، فعوضا من أن تنحصر دواوينه ببثّ لواعجه القلبيّة ووصف مغامراته والبوح بآرائه الاجتماعيّة أو التغنّي بأمجاد الذات والماضي ، نراه يتحوّل إلى مخاطبة غير الواقع في محاولة منه لربط العالم التحتيّ بالعالم الفوقيّ .
فإذا ما ناجى أيّوب الأشياء المادّيّة الملموسة كالبحر والثلج والربيع والطبيعة فقد ناجاها مدفوعا برغبة أو حاجة إلى الجلوس أمامها والاستمتاع بمخاطبتها ، إلّا أن مخاطبته للأمور المجرّدة تعدّ من أجملها كمناجاته لآلهة الشعر ، فينبعث في قلبه الرجاء .
طغى على آثار رشيد أيّوب الأدبيّة ألم نفسيّ وجدانيّ معنويّ ، قوامه الأسى والشكوى والتبرّم بالدنيا والزمان ، والحيرة والصراع النفسيّ ، وارتباكه في محاولة سبر أغواره المجهولة أمام مدنيّة العصر وحضارته وبين الماضي والحاضر ، وإحساسه بألم إنسانيّ مرير وحادّ عند مرأى النفس البشريّة تتلوّى وتتألّم من العذاب تحت ضغط اجتماعيّ ودنيويّ واستبداد وظلم معنويّ ، وعذاب الحبّ ، إذ يقول في أغاني الدرويش : « أنا في سبيل الحبّ أهوى العين في عبراتها » .
امتاز شعر رشيد أيّوب بالشوق والحنين إلى وطنه وأهله في لبنان وإلى عالم الطبيعة وعالم الروح ، وإلى الموت والعالم المثاليّ .
ورجحت كفّة التجديد على كفّة التقليد الذي لم ينج منه ، فاقترب من أبواب الشعر الحديث المتحرّر من القيود والمنقاد لأهواء النفس