الصارم لم يشاطره فيه سوى « ابن تغري بردي » ( ت 874 ه ) في « النجوم الزاهرة » ، وهذا يأتي بخبر النيل في ختام حوادث السنة ، فكأن « ابن أيبك » أدرك أنّ الوقوف على حال نهر النيل هو المفتاح لدارسة أحوال مصر وأهلها ، بحيث يوحي أنّ ما ألمّ بالبلاد والعباد يفسّر في ضوء وفاء النيل أو نقصانه . والملفت أنّ تقديراته لزيادة أو نقصان مياهه لم تكن دقيقة في بعض الأحيان ، ما يدلّ على أنه لم يكن يقيس مستوى الماء بنفسه .
ونظرا لميله إلى الأدب والشعر والحكايات والطرائف والأخبار الغريبة والنادرة ، فقد جاءت موسوعته تاريخية العنوان ، أدبية المحتوى ، فهو يرى أنّ الاقتصار على إيراد الأحداث السياسية يدفع للملل ، ولذا أراد أن يكون كتابه مفيدا ومسليا في آن معا ، فجمع بين الأمور السياسية ، والطرائف والحكايات الأدبية ، والنوادر العجيبة ، وهو أسلوب ممتع يدفع السأم والملل ، كان « ابن أيبك » رائدا فيه ، بحيث اصطبغ كتابه بلونين متساويين :
التاريخ السياسي ، والتاريخ الثقافي .
لقد اعتبر تاريخه تاريخا للأمّة الإسلامية ، فحين أرّخ للخلفاء العباسيين تناول الدويلات التي ظهرت في عهدهم مثل دويلة بني دلف ، والصفّاريين ، والسامانيين ، وأوائل الزيدية بطبرستان ، والطولونيين ، والإخشيديين ، والحمدانيين . وأورد تقارير عن بدايات الغارات الفاطمية على مصر انطلاقا من المغرب الإسلامي ، حتّى الاستيلاء عليها عام 359 ه . من غير إغفال للورزاء والكتّاب المشاهير ، وعلماء الفلك بخاصّة ، والشعراء ، مع ذكر مختارات من أخبارهم وأشعارهم ، والاهتمام بالغرائب وأخبار الكوارث الطبيعية .
وكان مصدره الأساس لهذه الفترة كتاب « الإنباء بأنباء الأنبياء وتواريخ الخلفاء وولايات الأمراء » للقضاعي ( ت 454 ه ) ، و « أخبار الدول المنقطعة » لابن ظافر الأزدي ( ت 613 ه ) ، و « العقد الفريد » لابن عبد ربّه الأندلسي ( ت 345 ه ) ، و « مروج الذهب » للمسعودي ( ت 345 ه ) ، و « بغية الطلب في تاريخ حلب » لابن العديم ( ت 660 ه ) و « ذكر أخبار إصبهان » لحمزة الأصفهاني ( ت بعد 350 ه ) ، و « عيون التواريخ » لغرس النعمة ( ت 480 ه ) ، و « أخبار خراسان » لأبي القاسم الوزير المغربي ( ت 418 ه ) ، والمصدران الأخيران ضائعان ، فضلا عن مصادر أخرى ، منها مصدران ضائعان أيضا ، هما « البرق الشامي » وهو لا علاقة له بكتاب العماد الأصفهاني ( ت 597 ه ) ، و « تاريخ القيروان » لمؤلّف غير معروف . وينقل عن « الولاة والقضاة » للكندي ( ت 350 ه ) ، و « التاريخ » لسعيد بن البطريق ( ت 328 ه ) ، و « مرآة الزمان » لسبط ابن الجوزي ( ت 654 ه ) ، و « التاجي » للصابي ( ت 448 ه ) ، وغيره بشكل غير مباشر . هذا فيما يتعلّق بالمصادر التاريخية .
أمّا مصادره الأدبية فكثيرة أيضا ، مثل « الأغاني » لأبي الفرج الأصفهاني ( ت 356 ه ) ، و « يتيمة الدهر » للثعالبي ( ت 429 ه ) ، و « الكامل في الأدب » للمبرّد ( ت 285 ه ) ، و « أنباء نجباء الأبناء » لابن ظفر الصقلّي ( ت 565 ه ) ، و « وفيات الأعيان » لابن خلّكان ( ت 681 ه ) ، و « الورقة » لابن الجرّاح ( ت 296 ه ) ،
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 600
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٠٠