وللأندرشي رحلة طويلة خارج الأندلس في طلب العلم ، ابتدأها سنة 566 أو 567 ه / 1170 م أو 1171 م ، شملت المغرب وشمال إفريقيا ، ومصر ، والحجاز ، والعراق ، وبلاد الشام . وبعد رجوعه من هذه الرحلة ، تولّى مناصب متعدّدة ، منها القضاء بدلاية
Dalias
، التي تقع في محافظة المرية الحالية ، ثمّ تولّى الخطبة في المسجد الجامع بقصبة المرية ، وكذلك تولّى القضاء في أندرش
Andrax
، ربّما لمدّة طويلة ، ولهذا لقب بالأندرشي .
لقي الأندرشي في رحلته عددا كبيرا من الشيوخ ، الذين كان يقصدهم في كلّ بلد يحلّ به ، سواء كان في الأندلس أم المغرب أم المشرق . وعدد هؤلاء الشيوخ الذين لقيهم وأجازوا له يزيد عن مائة شيخ ، وقد أشرنا إلى بعضهم في الأندلس ، ونذكر قسما آخر منهم في مختلف المناطق التي حلّ بها ، ففي مدينة فاس لقي أبا الحسن بن حنين ، وسمع منه الموطأ وأجاز له . وفي بجاية لقي أبا محمد عبد الحق الإشبيلي وسمع منه ، وسمع في المهدية من قاضيها أبي يحيى بن الحداد ، وبالإسكندرية من أبي محمد العثماني ، وأبي طاهر السلفي ، وأبي عبد الله الحضرمي ، وبالقاهرة من أبي محمد عثمان بن فرج . ولقي بمكّة عددا كبيرا من الشيوخ ، منهم أبو محمد المبارك بن الطباخ . وببغداد أبا الفرج الجوزي ، وشهدة بنت الآبري . وبدمشق أبا القاسم بن عساكر صاحب تاريخ مدينة دمشق ، وبالموصل أبا الفضل عبد الله بن عبد القادر الطوسي ، وأبا الفتح نصر بن عبد الملك السري الموصلي .
وقد روى عن الأندرشي بالمشرق والأندلس عدد كبير من العلماء الذين التقوا به ، وأخذوا عنه ، أشار ابن عبد الملك المراكشي إلى نحو عشرين رجلا منهم [ الذيل والتكملة ، 6 / 479 ] ، ممّا يدلّ على غزارة علمه وإقبال طلبة العلم عليه . لقد كان الأندرشي معدودا في المجوّدين من مقرئي القرآن ، حسن التصرّف في طريقة الحديث ، برّ المعاملة ، جميل العشرة ، كريم الأخلاق ، عدلا ، ثقة فيما يرويه . ومع هذا فقد غمره بعض منافسيه بالاضطراب في روايته . ويبدو أن هذا محض اتّهام ، لا ينبغي الالتفات إليه . ولو كان ذلك صحيحا لما أخذ عنه جلّة العلماء في المشرق والمغرب والأندلس ، ووثقوه ، واستجازوه ، أمثال أبي سليمان بن حوط الله ، الذي هو من أقرانه بالأندلس . وكذلك أصحاب أبي عبد الله محمد بن الأبار ، الذي طلب هو الآخر من الأندرشي أن يجيزه في جميع روايته ، فتمّ له ذلك في شعبان سنة 610 ه / 1213 م . وقد استمرّ هذا العالم بالعطاء إلى أن وافته المنيّة في 18 ربيع الأوّل عام 621 ه / 1224 م في طريقه إلى مالقة ، فنقل جثمانه إلى المري ، حيث دفن بجانب والده بمقبرة باب بجانة .
المصادر والمراجع
المنذري ، التكملة لوفيات النقلة ، تح . بشار عواد معروف ، القاهرة ، مطبعة عيسى البابي الحلبي ، 1975 ه ، 5 / 201 ، الترجمة 2009 ؛ ابن الأبّار ، التكملة لكتاب الصلة ، نشر عزّت العطار الحسيني ، القاهرة ، مكتبة الخانجي ، 1955 - 1956 م ، 2 / 613 - 615 ؛ المراكشي ، ابن عبد