وهكذا اجتهد أحمد بابا في طفولته وشبابه لتحصيل العلم وخدمته حتى شهد له شيوخه بالنبوغ والتفوّق فنال إجازة التدريس وشرع في ممارسة التأليف ، فأنجز أعمالا استفاد منها شيخه بغيوغو نفسه في دروسه [ أحمد مهدي ، م . س ، ص 343 ؛ وكي - زربو ، م . س ] .
ولم تكن الظروف السياسية أقلّ دعما لتكوين أحمد بابا ، فقد كانت نشأته في ظل مملكة سونغاي الإسلامية عموما وفي عهد السلاطين الأسكيين بتمبكتو على وجه الخصوص [ التميمي ، م . س ، ص 229 - 230 ] ، وهو عهد امتاز برعاية ملوكه للعلماء وتشجيعهم إياهم برواتب هامّة كانت تيسّر عليهم اقتناء الكتب من سوقها النافقة بتمبكتو ، فكان أن عرفت المدينة شأوا كبيرا من الإشعاع العلمي ، فأضحت قبلة الطلاب السودان والمغاربة ، ومورد العلماء المسلمين مغاربة ومشارقة [ م . س ] .
وبموجب هذه الظروف المساعدة ، اعتنى أحمد بابا ، على غرار والده وجدّه وفقهاء زمانه ، بجمع الكتب حتى بلغت مكتبته 1600 كتاب . ورغم ذلك ، فإنه كان يرى أنّ مكتبته ليست أثرى المكتبات الشخصية في تمبكتو [ أحمد مهدي ، م . س ، ص 344 ؛ وكي زربو ، م . س ] . ولئن سلمنا أنّ في هذا التقدير ضربا من المبالغة ، فما من شك في أن فيه دليلا على حرص العلماء عصرئذ على سعة الاطلاع والتعمق في الدراسة والاستعداد الفكري الناضح للاضطلاع بمهمة التدريس [ م . س ] .
ولما قاد المغاربة حملتهم على مملكة سونغاي فغزوا مدينة تمبكتو كان عمر أحمد بابا قد نيّف على سنّ السادسة والثلاثين ، فكان ممّن تصدّى للحملة ، وممّن ابتلي إثرها بمحنة الاعتقال فالأسر بمراكش التي حمل إليها سنة 1592 م . ثم أطلق سراحه عام 1596 م . لكنه ظلّ بها طيلة عشر سنوات يمارس النشاط العلمي قبل أن يعتزم العودة إلى مسقط رأسه سنة 1606 م [ الغربي ، م . س ، ص 539 ] .
وقد تردد الرّجل أثناء إقامته بمراكش على مكتباتها [ التميمي ، م . س ، ص 231 ] . وعمل أستاذا مبرزا في جامع الشرفاء ، فتتلمذ عليه طلبة مغاربة وعلماء وقضاة . ومنهم العالم الركراكي مفتي فاس ، والقاضي أبو القاسم بن أبي نعيم الغساني ، وأبو العباس أحمد بن القاضي صاحب جذوة الاقتباس [ دياب ، علماء بلاد السودان الغربي في القرنين 16 و 17 وآثارهم العلمية ، ص 153 ؛ والغربي ، م . س ، ص 540 ] . وكانت دروسه متنوعة منها ما هو من النحو ومنها ما هو من مسائل السيرة والحديث والفقه وغيرها [ دياب ، م . س ] .
وبمراكش أيضا أتم أحمد بابا كتابه « نيل الابتهاج » الذي شرع في تأليفه بتمبكتو قبل الحملة [ التميمي ، م . س . ص 231 ] . كما اتصل في الغرب بالمقريّ صاحب نفح الطيب [ دياب ، م . س ، ص 153 ] .
وبعد عودته من المغرب ، وأصل نشاط التدريس في جوامع تمبكتو فشملت دروسه إلى جانب علوم اللغة والدين ، مباحث المنطق والحساب ، ولكن عنايته كانت خاصّة بالتأليف الغربي ، [ م . س ، ص 540 - 541 ] . والذي عليه جلّ الدارسين أن مؤلفاته بلغت ما يزيد على الأربعين وهو دليل على طول باعه في
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 266
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢٦٦