ومداومتها على العبادة ، واهتم عمّه أحمد بن أحمد الفيتوري بأمره وتنشئته على حبّ العلم والمعرفة سيما وأنّه كان عالما بالعربيّة وآدابها يجيد قرض الشعر حتى وصفه الشيخ عبد السلام قائلا : كأنّه كعب بن زهير أو حسان ابن ثابت . « فكان يعلمه الأجرومية وأدخله الكتّاب ليحفظ القرآن الكريم ، فتتلمذ هناك إلى الشيخ عبد الرحمان المسلّاتي التونسي ثمّ درس كذلك ألفية ابن مالك في النحو ، وقرأ كتب المعاني والبيان وعندما بلغ سنه الثانية عشرة اتجهت همته إلى الحياة الروحية ، فبدأ في طلب علوم الأسرار ومعارف الصوفية . وقد جدّ عمّه في أن يجعل طلبه لهذا العلم يكون من لدن شيخ صوفي يلتقي فيه العلم بالصلاح ، فكان أن تولى هذا الأمر الشيخ عبد الواحد الدوكالي ، وهو من صلحاء ذاك الزمان ومن شيوخ الطريق الصوفي في تلك الفترة ، وقد لازمه وانتفع به لمدة سنوات سبع نجد الشيخ عبد السلام يثني عليه في ما بعد ويعدّد مناقبه ومعرفا به في الآن ذاته فيقول :
« إنّه قرشي يسكن مسلاته ، مالكي المذهب ، عروسي الطريقة ( نسبة إلى أحمد بن عروس . . . ) ، ( وهو ) من الرجال الأعيان أهل الأسرار والبرهان . . فتواه تعجب علماء طرابلس وتونس أشدّ الإعجاب ويعملون بها ؛ وكان يحب الشيخ زروق ( أحمد زروق ت 899 ه / 1493 م ) ، مواظبا له ويتذاكر معه في العلوم » .
وقد التقى الشيخ عبد السلام بالشيخ أحمد زروق الذي اشتهر بعميق الصوفية وكثرة تأليفه في العلوم العقليّة النقليّة والعلوم الحكمية بفرعيها الذوقي والعقلي . وستتردّد أقوال وتعاليم الشيخ زروق في مؤلّفات عبد السلام الأسمر ، وستكون « الوظيفة » التي وضعها الشيخ زروق ( وهي ترتيب من الأدعية والتوسلات والتسبيحات والصلوات على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، يعتمده الصوفية في مجاهداتهم الروحية ) من جملة آداب الطريق الصوفي عند الشيخ عبد السلام وأتباعه ( السلامية ) .
ولع الشيخ عبد السلام بالسماع وكانت تأخذه أحوال ومواجد عالية . ولعلّ شيخه عبد الواحد الدوكالي كان معارضا للسماع ، وللتوقيع على الدفّ ، غير أنّه وبعد أن ظهرت للشيخ عبد السلام حسب ما تذكره المصادر التي ترجمت له كرامات تجيزه ذلك ، سلم له وصار من مؤيديه في ذلك ، وليس عرضا أن يتوافق ذلك مع حصول الفتح العرفاني للشيخ عبد السلام ومع بداية تدرجه في طريق الولاية ، وقد أقدم عندها على التكثيف من زيارة الأولياء والصالحين . ولما توفيت والدته واصل زيارة الأولياء لينتهي به المطاف إلى جبل زغوان بالبلاد التونسية ، ويمكث به متعبّدا ومتأملا في خلوة وانقطاع تام للعبادة والذكر . وجبل زغوان كما جاء ، في كتب التاريخ وأخبار المناقب فضائله كثيرة ، وأسراره عظيمة في نظر الأولياء والصوفية إذ لا بد أن يمكث فيه كل ولي وقتا للعبادة والذكر ، وقد حصل فيه الفتح لأبي الحسن الشاذلي من قبل . وبعد هذه السياحة الصوفية عاد عبد السلام الأسمر إلى زليطن بأرض طرابلس ، غير أنّ أهلها سيكبر حسدهم له ويرمونه بالسحر ، وكما يذكر صاحب مختصر البرموني « فإنهم ما زالوا به ( رميا بالسحر وحسدا ) إلى أن نفوه منها سبع مرات ينتقل ثم يرجع ، ولم يستقر أمره إلّا بعد نفيه منها ومن غيرها من المدن ورجوعه إلى تاورغاء ومصراته الخ . . . » وفي أثناء رحلاته
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 671
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٧١