115 ه / 733 م حيث درس على أيدي جماعة من العلماء منهم : عبيد الله بن المغيرة ، ويزيد ابن قزمان ، والسكن بن أبي كريمة ؛ وعاد محمد بن إسحاق إلى المدينة المنوّرة ، فأجازه شيخاه محمد بن شهاب الزهري ، وسفيان بن عيينة وشهدا بكفاءته في علم الحديث . واختلف محمد بن إسحاق مع اثنين من كبار علماء المدينة المنوّرة ، في الحديث وهما : مالك بن أنس ، وهشام بن عروة اللذين طعنا في علمه ، واتهماه بأنّه كان قدريّا من المعتزلة ، كما اتّهم بملازمته لعبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ( والد محمد النفس الزكية ) ، ويقول المؤرخون أنّ خلافه مع مالك وهشام كان السبب في ترك محمد بن إسحاق المدينة المنوّرة والتوجّه إلى العراق حيث تنقّل بين الكوفة والجزيرة والريّ والحيرة وبغداد ، والتقى بالخليفة العباسي أبي جعفر المنصور . وتروي المصادر أنّ محمد بن إسحاق عندما دخل على الخليفة المنصور وكان اللقاء في بغداد - وقيل بل كان في الحيرة - وبين يديه ابنه المهدي ، قال له المنصور : « هل تعرف هذا يا ابن إسحاق ؟
قال : نعم ، هذا ابن أمير المؤمنين ، قال :
اذهب فصنّف له كتابا منذ خلق الله تعالى آدم عليه السلام إلى يومك هذا » ، لذلك ألّف ابن إسحاق كتاب « المبتدأ والمبعث والمغازي » ، وهناك من يرى أنّ ابن إسحاق إنّما ألّف هذا الكتاب في المدينة المنوّرة وقبل أن يتوجّه إلى العراق ، لأنّ جميع من روى عنهم من علماء المدينة المنوّرة ومصر ، وليس فيهم أحد من العراق . كما ذكر في كتابه أحداثا لم يكن العباسيون ليرضوا عنها ، مثل حديثه عن اشتراك العباس بن عبد المطلب في غزوة بدر مع الكفار وأسره ، وهو الخبر الذي حذفه ابن هشام من بعد ، وظلّ محمد بن إسحاق مقيما بالعراق حتّى وافته المنيّة ببغداد سنة 151 أو 152 أو 153 ه / 768 أو 769 أو 770 م .
اختلف العلماء والمؤرخون حول ابن إسحاق ، وتراوحت آراؤهم ما بين قادح ومادح ، أو مجرّح ومعدّل ، فمن المجرحين : مالك بن أنس الذي قال عنه : « ابن إسحاق كذّاب ودجّال من الدجاجلة » ، وروي عن أحمد بن حنبل قوله : « ابن إسحاق ليس بحجّة » . وممّن جرّحه أيضا هشام بن عروة ، ويعقوب بن شيبة ، وسليمان التيمي ، والدارقطني . ويقول ابن النديم في الفهرست عن ابن إسحاق :
« ويقال كان يعمل الأشعار ويؤتى بها ، ويسأل أن يدخلها في كتابه في السيرة فيفعل ، فضمن كتابه من الأشعار ما صار به فضيحة عند رواة الشعر . وأخطأ في النسب الذي أورده في كتابه .
وكان يحمل عن اليهود والنصارى ويسمّيهم في كتبه أهل العلم الأول » .
أما المعدلون فمنهم ابن عدي الذي يقول عن ابن إسحاق : « ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلّا أنّه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء للاشتغال بمغازي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومبعثه ومبتدأ الخلق لكانت هذه فضيلة سبق بها ابن إسحاق ، وقد فتشّت أحاديثه الكثيرة فلم أجدها تهيّئ أن يقطع عليه بالضعف ، وإنما أخطأ واتّهم في الشيء بعد الشيء كما يخطئ غيره » .
ويذكر المعدّلون أنّ مسلما أخرج له بعض الأحاديث في المبايعات ، واستشهد به البخاري في غير موضع ، كما روى له أبو
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 569
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٦٩