بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 1 » .
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
« 2 » .
فصاحب النبيّ الأعظم في الغار ، والمهاجر الوحيد معه في الرعيل الأوّل من المهاجرين السابقين يهمّنا إكباره وإعظامه ، ويعدّ من الجنايات الفاحشة بخس حقّه ، والتقصير في تحديد نفسيّاته ، والخروج عن قضاء العدل فيها ، والنزول على حكم العاطفة .
ونحن لا نحوم حول موضوع الخلافة وأنّها كيف تمّت ؟ كيف صارت ؟ كيف قامت ؟ كيف دامت ؟ وأنّ الآراء فيها هل كانت حرّة ؟ ووصايا المشرّع الأعظم هل كانت متّبعة ؟ أو كانت للأهواء والشهوات يوم ذاك حكومة جبّارة هي تبطش وتقبض ، وهي ترفع وتخفض ، وهي ترتق وتفتق ، وهي تنقض وتبرم ، وهي تحلّ وتعقد ؟
لا يهمّنا البحث عن هذه كلّها بعد ما سمعت اذن الدنيا حديث السقيفة مجتمع الثويلة ، وقرّطت بنبأ تلك الصاخّة الكبرى ، والتحارش العظيم بين المهاجرين والأنصار ؛
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ * خافِضَةٌ رافِعَةٌ
« 3 » .
ما عساني أن أقول ؟ ! والتاريخ بين يدي الباحث يدرسه بأنّ كلّ رجل من سواد الناس يوم ذاك كان يرى الفوز والسلامة لنفسه في عدم التحزّب بأحد من تلكم الأحزاب المتكثّرة ، وترك الاقتحام في تلك الثورات النائرة ، وكانت الخواطر تهدّده بالقتل مهما أبدى الشقاق ، أو التحيّز إلى فئة دون فئة ، بعد ما رأت عيناه فرند الصارم المسلول ، وسمعت أذناه نداء محزّ « 4 » يتوعّد بالقتل كلّ قائل بموت رسول اللّه ، ويقول : « لا أسمع رجلا يقول : مات رسول اللّه إلّا ضربته بسيفي » . أو يقول : « من قال : إنّه مات علوت رأسه بسيفي ، وإنّما ارتفع
هامش
( 1 ) - الأنعام : 127 .
( 2 ) - القمر : 3 .
( 3 ) - الواقعة : 1 - 3 .
( 4 ) - « المحزّ » : الرجل الغليظ الكلام .