تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغذية والأدوية — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
جوهر الخشخاش ، أعني جرمه ، موافقا لمن كان محتاجا إلى تليين البطن . فإن عارضنا معارض وقال : فلم لا أعطيت جوهره الملين للبطن ، وقلت : أنه إذا طبخ بالماء فارقه جوهره الحابس للطبيعة ، وخالطه الماء وصار معينا على حبس الطبيعة ؟ . قلنا له : إن الجوهر الحابس للطبيعة ضعيف فيه جدا ، من قبل أن يبسه في الدرجة الثانية ، والماء فمضاد ليبسه بإفراط رطوبته . فإذا خالط الماء الخشخاش ، غلب على يبسه وحله ومنع من فعله ، لان رطوبته أقوى . وأما جوهره الملين للطبيعة ، فإن رطوبة الماء معينة له ومقوية لفعله . ولذلك ربا أثرها في المعاء ، وصار الماء معينا على تليين الطبيعة . وأما الخشخاش الأحمر ، فإن برده أقوى من برد الخشخاش الأبيض ويبسه أكثر ، لان برده في أول الدرجة الثانية ، ويبسه في آخرها أو في أول الدرجة الثالثة . ولذلك صار فعله في جميع ما ذكرنا من فعل الخشخاش الأبيض ، أقوى وأظهر . وأما الخشخاش الأسود ، فإن قوة برده ورمانه وورقه داخلة في جنس الدواء أكثر من دخولها في جنس الغذاء ، لان برودته في أول الدرجة الرابعة ، ويبسها في وسطها . ولذلك صار فعله في جميع ما قدمنا ذكره من فعل الخشخاش الأبيض والأحمر ، أشد وأقوى وبخاصة في إخدار الحس وحبس البطن ، وذلك لزيادة برده وقبضه ولا سيما إذا كان الشراب المتخذ منه مطبوخا بماء المطر ، لما في المطر زيادة للقبض لقوة فعل الشمس فيه . ولذلك وجب أن يحذر الاكثار منه ، لان الاكثار منه يولد من السبات ما يستغرق الحرارة الغريزية ويطفئ نورها . ولهذه الجهة صار مخصوصا بالاضرار بمن ضعفت حرارته الغريزية وغلب على مزاج قلبه حرارة عرضية ، مثل أصحاب حمى الدق ( 1 ) وغيرهم ، وبمن قد اختلط عليه عقله ، لان من غلب على مزاج قلبه الحرارة العرضية لا يؤمن عليه أن تقاوم حرارته العرضية برد الخشخاش وتدفعه عن نفسها فتنعطف ببرده على الحرارة الغريزية وتطفئها لضعفها عن مقاومته . ومن اختلط عليه عقله ، فرطوبة دماغه الغريزية قد خفت وقاومت الفناء ، وحرارة دماغه قد صارت إلى غاية الضعف . وإذا كان ذلك كذلك ، لم يؤمن على الخشخاش أن يخدر حس الدماغ ويخمد نور الحرارة الغريزية ويهلك الانسان من قرب . وأما عصارة هذا النوع من الخشخاش ولبنه الذي يسيل منه فإن تبريدهما أقوى من تبريد البزر كثيرا ، لان جوهر الخشخاش فيهما خالص محض ( 2 ) . ولذلك وجب أن يكون اليسير من فعلهما يقوم مقام الكثير من فعل البرد ، وإن كان - لبن الخشخاش أخص بذلك من العصار كثيرا ، لان الجوهر فيه أوحد غير مشوب بغيره ، والجوهر في
هامش
( 1 ) ذكر الثعالبي أن الحمى إذا دامت ولم تقلع ولم تكن قوية الحرارة ، ولا لها أعراض ظاهرة ، مثل القلق وعظم الشفتين ويبس اللسان وسواده ، وانتهى الانسان منها إلى ضني وذبول ، فهي دق . ( فقه اللغة : فصل في اصطلاحات الأطباء على ألقاب الحميات ) . ( 2 ) في الأصل : خالصا محضا .
الأغذية والأدوية — صفحة 252 | إسحاق بن سليمان المعروف بالإسرائيلي / محمد الصباح