ففتحه وأخرج منه كتابا طويلا ، فدفعه إليّ وقال : اقرأه ، فتأمّلته ، فإذا هو من بعض علويّة الكوفة ، يتضمّن النميمة والسعي بي بما يعلم اللّه براءتي منه .
فلمّا وقفت عليه وفرغت منه ، ناولني كتابا آخر من رجل آخر بذلك المعنى ، وما زال يريني كتابا بعد كتاب ، حتّى أتى على كلّ ما في الكيس .
فقلت : يا أمير المؤمنين اللّه يعلم براءة ساحتي من هذا كلّه ، وسلامة نيّتي وحسن طاعتي لإمامي ، ولكن الحسد قد يحمل على ما هو أعظم من هذا .
فقال : واللّه أنّني أعلم صدقك ، وإنّك إلى اليوم قد اعتزلت بمسجد الكوفة ثلاث عشرة سنة ، وهذه الرقاع تأتيني بما لا يزيدني إلّا حسن ظنّي بك ، وجميل اعتقادي فيك ، وإذا كنت لا تؤثر الدخول فيما اكلّفك ، فأنت بالخيار ، وأتبع ذلك بكلام جميل بالغ فيه .
ثمّ قال : يا نجاح إرم بهذا الكيس في الماء ، فرمى به ، ثمّ قال لي : انصرف راشدا ، فدعوت له وانصرفت .
وسمعت أنّ الوزير السعيد نصير الدين الطوسي رحمه اللّه ، قال : إنّي اجتمعت بالفقيه صفي الدين بن معدّ وآخيته ، وذلك أنّ الفقيه صفي الدين رحمه اللّه سافر إلى العجم في أيّام حداثته ، واجتمع به هناك .
ولمّا ورد مولانا نصير الدين رحمه اللّه إلى الحلّة أوّل مرّة ، سأل عن مخلّف صفي الدين الفقيه ، فقيل له : ليس له سوى بنت ، يعني الحاجة فاطمة زوجة والدي ، فقال : هذه بنت أخي ، وأرسل إليها سلاما ، وكاتبها برقاع رأيته بخطّه رحمه اللّه وعندي منها شيء .
وكان مولانا نصير الدين رحمه اللّه قد ظنّ أنّ أخي الأكبر جلال الدين من هذه الحاجة وأنّها امّه ، فزوّجه ابنته ووقع العقد بمراغة ، فلمّا علم بعد ذلك أنّ امّه عاميّة وليس من بنت الفقيه ابن معدّ ، سأل طلاقها ، فطلّقت ، وما زال مولانا يراعينا لهذا السبب ، إلى أن انتقل إلى جوار ربّه قدّس اللّه روحه « 1 » .
وقال الصفدي : من أهل حلّة سيف الدولة صدقة ، قدم بغداد واستوطنها ، وصاهر مؤيّد الدين القمّي كاتب الانشاء على أخته ، وكان عليه وقار وسكينة ، فقيها فاضلا على
هامش
( 1 ) الأصيلي ص 166 - 169 .