وقال ابن خلّكان : تقدّم ذكر والده وجماعة من أهل بيته ، وكيف قتل نصر بن عبّاس أباه حسبما شرح هناك .
ثمّ قال : ولمّا كان صبيحة ليلة قتل فيها الظافر حضر عبّاس إلى القصر على جاري عادته في الخدمة ، وأظهر عدم الاطّلاع على قضيّته ، وطلب الاجتماع به ، ولم يكن أهل القصر قد علموا بقتله بعد ، فإنّه خرج من عندهم في خفية كما ذكر ثمّ ، وما علم أحد بخروجه ، فدخل الخدم إلى موضعه ليستأذنوا لعبّاس فلم يجدوه ، فدخلوا إلى قاعة الحرم ، فقيل : إنّه لم يبت هاهنا .
وحاصل الأمر أنّهم تطلّبوه في جميع مظانّه في القصر ، فلم يقفوا له على خبر ، فتحقّقوا عدمه ، فأخرج عبّاس المذكور أخوي الظافر ، وهما جبريل ويوسف وهو أبو العاضد ، وقال لهما : أنتما قتلتما إمامنا وما نعرف حاله إلّا منكما ، فأصرّا على الانكار وكانا صادقين في ذلك ، فقتلهما في الوقت لينفي عن نفسه وابنه التهمة .
ثمّ استدعى ولده الفائز المذكور ، وتقدير عمره خمس سنين ، وقيل : سنتان ، فحمله على كتفه ووقف في صحن الدار ، وأمر أن يدخل الامراء ، فدخلوا ، فقال لهم : هذا ولد مولاكم وقد قتل عمّاه أباه ، وقد قتلتهما كما ترون ، والواجب إخلاص الطاعة لهذا الطفل ، فقالوا بأجمعهم : سمعنا وأطعنا ، وصاحوا صيحة واحدة اضطرب منها الطفل وبال على كتف عبّاس ، وسمّوه الفائز ، وسيّروه إلى امّه ، واختلّ من تلك الصيحة ، فصار يصرع في كلّ وقت ويختلج ، وخرج عبّاس إلى داره ودبّر الأمور وانفرد بالتصرّف ولم يبق على يده يد .
وأمّا أهل القصر ، فانّهم اطّلعوا على باطن الأمر ، وأخذوا في إعمال الحيلة في قتل عبّاس وابنه نصر ، وكاتبوا الصالح بن رزّيك الأرمني ، وكان إذ ذاك والي منية بني خصيب بالصعيد ، وسألوه الانتصار لهم ولمولاه والخروج على عبّاس ، وقطعوا شعورهم وسيّروها طيّ الكتاب وسوّدوا الكتاب ، فلمّا وقف الصالح عليه أطلع من حوله من الأجناد عليه وتحدّث معهم في المعنى ، فأجابوا إلى الخروج معه ، واستمال جمعا من العرب ، وساروا قاصدين القاهرة وقد لبسوا السواد .
فلمّا قاربوها خرج إليهم جميع من بها من الامراء والأجناد والسودان ، وتركوا عبّاسا
الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 700
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٧٠٠