وكان أبو الحسن الأشعري ( المعاصر للكليني ) في أوّل أمره معتزليا رافعا لواء العقل والتفكير ، إلّا أنّه رجع في عام 305 ه عن ذلك المنهج والتحق بمنهج الإمام أحمد مناديا بأعلى صوته في الجامع الكبير في البصرة : من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي ، أنا فلان بن فلان كنت قلت بخلق القرآن ، وإنّ اللّه لا يرى بالأبصار ، وإنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها ، وأنا تائب مقلع معتقد للردّ على المعتزلة . « 1 »
وهذا يشير إلى أنّ الجو العام في ذلك العصر لم يكن لصالح الداعين إلى التحرّر من الجمود والتقليد ، وإعمال الفكر والنظر .
ثقافته الواسعة
لم يكن الشيخ الكليني متمكّنا من فنّ الحديث فحسب ، بل كان مع براعته فيه ، ملمّا بثقافة عصره ، مشاركا أو متخصصا في أكثر من فرع من فروعها ، يظهر ذلك ممّا جاد به قلمه في كتبه العديدة .
فأدبه الراقي تبدو ملامحه من خلال مقدّمة « الكافي » وكذا من ثنايا هذا الكتاب ، كقوله : الحمد للّه المحمود لنعمته ، المعبود لقدرته ، المطاع في سلطانه ، المرهوب لجلاله ، المرغوب إليه فيما عنده ، النافذ أمره في جميع خلقه ، علا فاستعلى ، ودنا فتعالى ، وارتفع فوق كلّ منظر ، الّذي لا بدء لأوّليته ، ولا غاية لأزليته . « 2 »
ومن ملامح أدبه - أيضا - أنّه أفرد كتابا فيما قيل في الأئمّة عليهم السّلام من الشعر .
أمّا معرفته بالرجال فتبرز واضحة في « الكافي » حيث إنّ الأسانيد الّتي
هامش
( 1 ) . فهرست ابن النديم : 271 .
( 2 ) . الكافي : 1 / 41 .