إِلَيَّ
« 1 » أي مميتك ، وقال بعض : مميتك حتف أنفك ، مع أنّ معتقد المسلمين هو أنّ عيسى لم يمت ولم يقتل قبل الرفع إلى السماء .
والحقّ أن يقال هو أنّهم لم يفطنوا إلى أنّ معنى « التوفّي » والقدر الجامع المستقيم في محاورة القرآن فيه وفي مشتقّاته ، إنّما هو : الأخذ والاستيفاء ، وهو يتحقّق بالإماتة وبالنوم ، وبالأخذ من الأرض ، وعالم البشر إلى عالم السماء .
وأنّ محاورة القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك ، كما في قوله تعالى في سورة الزمر :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
« 2 » ، ألا ترى أنّه لا يستقيم الكلام إذا قيل : اللّه يميت الأنفس حين موتها ؟ ( ويميت الّتي لم تمت في منامها ) إذ كيف يصحّ أنّ الّتي تمت يميتها في منامها ؟ !
وكما في قوله تعالى في سورة الأنعام :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ
« 3 » ؛ فإنّ توفّي الناس بالليل إنّما يكون بأخذهم بالنوم ، ثمّ يبعثهم اللّه باليقظة في النهار ؛ ليقضوا بذلك آجالهم المسمّاة ، ثمّ إلى اللّه مرجعهم بالموت والمعاد .
وكما في قوله تعالى في سورة النساء :
حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
« 4 » ؛ فإنّه لا يستقيم الكلام إذا قيل : يميتهنّ الموت .
وحاصل الكلام أنّ معنى « التوفّي » في موارد استعماله في القرآن وغيره إنّما هو أخذ الشيء وافيا ، أي تامّا ، كما يقال : درهم واف . وهذا المعنى ذكره اللغويّون ل « التوفّي » في معاجمهم ، وقالوا : إنّ توفّاه واستوفاه بمعنى واحد ، وأنشدوا له قول
هامش
( 1 ) . آل عمران : 55 .
( 2 ) . الزمر : 42 .
( 3 ) . الأنعام : 60 .
( 4 ) . النساء : 15 .