مخصوصة داخلة في أيّ قسم من أقسام مواد الأَقيسة ، بل من المعلوم عند أُولي الأَلباب امتناع وضع قاعدة تتكفّل بذلك « 1 » .
يلاحظ عليه أوّلًا : بأنّ الأصوليّين لا يعتمدون على الدليل العقلي الظنّي ، بل يعتمدون على الأَحكام العقليّة القاطعة التي اتّفقت عليها عقول الناس وفِطَرُهُم السليمة ، ولا يخالف فيه أحد ، إلّا إذا كان متأثّراً بفكرةٍ مسبقة ، وهي عبارة عن الأَحكام القطعيّة التي يستقلّ العقل بها كما يستقلّ بوجود الصانع وصفاته ، أو قبح إعطاء المعجزة للمتنبي الكاذب ، أو لزوم عصمة النبيّ صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم .
والاستلزامات العقليّة في أُصول الفقه لها دور خاصّ في استنباط الأَحكام الكلّيّة ، والكلّ ينبع من مسألة واحدة ، وهي إدراك العقل للحسن والقبح العقليّين ، وليس هذا شيئاً مبتدعاً ، بل هو أمر يعتمد الكتاب والسنّة عليه في احتجاجاتهما ومناظراتهما ، ويتّخذانها أصلًا مسلّماً .
أمّا الكتاب فاللّه سبحانه يقول :
( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ )
« 2 » ويقول :
( أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ )
« 3 » ويقول :
( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ )
« 4 » ويقول :
( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ )
« 5 » .
هامش
( 1 ) الفوائد المدنيّة : 129 و 130 ، ولكلامه بقيّة مَن أرادها فليرجع إليه ، وكلامه يُعرب عن أنّه كان يعتمد على الحسّ وما هو قريب منه لا على العقل البَحت وما هو بعيد عن الحسّ ، والعَجَب أنّ تلك الفكرة نفسها كانت تنمو في المغرب آن ذاك ، من دون أن تكون بين المفكّرين صلة حسب الظاهر كما سيوافيك فيما بعد .
( 2 ) سورة ص : 28 .
( 3 ) القلم : 35 .
( 4 ) الرحمن : 60 .
( 5 ) الأَعراف : 28 .