ثمّ أنّى يعقل أن يقول تعالى لأهل بدر : « اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » ؟ فإن كان كذلك فلا بدّ أنّ مذهب الموحّدين غير صحيح ! بل مذهب الثنويين القائلين بأنّ للعالم إله نور منشأ كلّ خير وإله ظلمة منشأ كلّ شرّ ، فيكون إله الظلمة قال ذلك ، وإلّا فاللّه الحكيم قال تهديدا :
« اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »
« 1 » .
وخبر « إنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صفح بشماله على يمينه عن عثمان » أيضا من أخبار وضعها معاوية له . ثمّ إن كان تلك البيعة بسبب بلوغ خبر قتله فلا يعقل البيعة عن القتيل ، وإذا كانت البيعة على الموت ليحصل الانتقام فأي نتيجة في مسح يد على يد ؟
ومن أين أنّ الجميع روى ما ذكر ؟ وهذا الطبري إمامهم في التاريخ والزمخشري إمامهم في التفسير لم يذكرا ذلك ، بل اقتصرا على أنّ عثمان احتبس عندهم فارجف بأنّهم قتلوه ، فقال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - :
« لا نبرح حتّى نناجز القوم » ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة - وكانت سمرة - « 2 » .
ثمّ إنّه تعالى لم يقل : إنّه رضي عن كلّ من بايعه ، بل عن المؤمنين الحقيقيّين ، وكون عثمان منهم عنه بمراحل .
وأيضا شرط في تلك البيعة عدم النكث ، فقال :
« فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ »
« 3 » وهو نكث وفرّ في مواطن .
وخبر العشرة المبشّرة تفرّد به سعيد بن زيد الّذي هو أحد العشرة ، فهو جعل خبرا لنفسه ؛ ولئن فرض أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال ذلك في أمير
هامش
( 1 ) فصلت : 40 .
( 2 ) تاريخ الطبري : 2 / 632 ، الكشّاف : 4 / 339 .
( 3 ) الفتح : 10 .