وقد جمع ابن الزيات خزانة كتب زاخرة على ما يؤخذ من الخبر الآتي :
« قال الجاحظ : أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم ، ففكرت في شيء أهديه له ، فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه . فلما وصلت إليه ، قلت : لم أجد شيئا أهديه لك مثل هذا الكتاب ، وقد اشتريته من ميراث الفرّاء . فقال : واللّه ما أهديت لي شيئا أحب إليّ منه ! ورأيت في بعض التواريخ : ان الجاحظ لما وصل إلى ابن الزيات بكتاب سيبويه وأعلمه به قبل إحضاره ، فقال له ابن الزيات : أو ظننت أن خزانتنا خالية من هذا الكتاب ؟
فقال الجاحظ : ما ظننت ذلك ، ولكنها بخط الفرّاء ، ومقابلة الكسائي ، وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ ، يعني نفسه . فقال ابن الزيات : هذه أجلّ نسخة توجد وأعزها ! فأحضرها إليه ، فسرّ بها ووقعت منه أجمل موقع » « 1 » .
وهذه الحكاية ، وردت في جملة مراجع قديمة « 2 » ، باختلافات يسيرة ، فاكتفينا بنقلها من وفيات الأعيان ، لأنها فيه أوفى وأكمل .
وذكر ابن أبي أصيبعة ان محمد بن عبد الملك الزيات « كان يقارب عطاؤه للنقلة والنساخ في كل شهر ألفي دينار . ونقل باسمه كتب عدة . وكان أيضا ممن نقلت له الكتب اليونانية وترجمت باسمه جماعة من أكابر الأطباء ، مثل يوحنا بن ماسويه ، وجبرائيل بن بختيشوع ، وبختيشوع بن جبرائيل بن بختيشوع ، وداود بن سرابيون ، وسلمويه بن بنان ، واليسع ، وإسرائيل بن زكريا بن الطيفوري ، وحبيش بن الحسن » « 3 » .
ولسنا نعلم من أمر خزانة هذا الوزير سوى هذا القدر . وفي مثل هذه الأنباء خير دليل على ما كانت تضمه من نفائس الكتب وأمهاتها . أما عن مصير
هامش
( 1 ) وفيات الأعيان ( 1 : 549 ) .
( 2 ) راجع مثلا : تاريخ بغداد للخطيب ( 12 : 196 ) ، ونزهة الألباء ( ص 74 - 75 ) ، ومعجم الأدباء ( 6 : 85 - 86 ) .
( 3 ) عيون الأنباء ( 1 : 206 ) .