ولو كانت هذه المؤلفات قد سلمت وانتهت إلينا ، لأمدتنا بأنباء شتى عن كثير من ديارات الشرق ، ومنها ديارات بغداد التي نحن بصدد الكلام عليها في هذا البحث .
أما ما سلم من الأسفار العربية القديمة التي تناولت بالبحث موضوع الديارات ، فقد سبقت الإشارة إليها في ثبت المراجع . ولولا هاتيك المؤلفات ، لفاتنا كثير من أوصاف تلك الديارات وأخبارها ، بل لخفيت علينا أسماؤها .
4 - ديارات بغداد في عهودها الماضية :
سنتناول في هذا البحث ، ما تيسر لنا الوقوف عليه ، في أمهات المصادر القديمة والحديثة ، من أخبار « الديارات » التي كانت قائمة في مدينة بغداد القديمة وضواحيها ، في كلا جانبيها الشرقي والغربي .
يرقى زمن إنشاء معظم هذه الديارات إلى ما قبل بناء مدينة بغداد ، بل إلى ما قبل ظهور الإسلام ، إلا القليل منها الذي شيد بعد تأسيس بغداد .
كانت هذه الديارات كثيرة منتشرة في بقاع مختلفة : على ضفاف دجلة وجداول الأنهار ، وفي الحقول والبساتين والأرباض الكائنة في جانبي بغداد الشرقي والغربي .
ولو حاولنا اليوم أن نعثر على بقايا شيء من تلك الديارات ، لأعيانا الأمر ، بل لتعذر علينا أن نجد شيئا ولو ضئيلا من بقياها أو أطلالها . ذلك أن أفاعيل الزمان قد سطت عليها فخربتها وأزالتها من الوجود قبل مئات من السنين ، وجعلتها أثرا بعد عين .
لقد كان من المنتظر أن نعثر على أخبار هذه الديارات ، في المصادر النصرانية القديمة ، عربية كانت أم سريانية . ولكن ما انتهى إلينا من تلك التصانيف ، محدود ضئيل القدر ، لم يرد ذكر لأكثر هذه الديارات .
ومرد ذلك ، في نظرنا ، إلى أمرين :
الأول : إن جملة كبيرة من تلك المؤلفات ، قد ضاعت بتوالي العصور ، من جراء الفتن والغوائل والجهل والإهمال . ففاتنا بضياعها ما كان مؤملا أن نعثر عليه فيها .
الثاني : إن معظم أولئك المؤلفين القدامى ، كانوا بالنظر إلى زهدهم وتجردهم وابتعادهم عن العالم ، يقصرون جل عنايتهم في الغالب الأعم ، على الموضوعات الدينية . فكانت المباحث التاريخية والبلدانية - ومنها البحث في الديارات ومواضعها