بشيء ؟ قلت : المنصور . قال : ليس هذا الذي يبنيها . قلت : ولما ؟ قال : لأنا قد وجدنا في كتاب عندنا ، نتوارثه قرنا عن قرن ، أن الذي يبني هذا المكان ، رجل يقال له مقلاص ، قال : فركبت من وقتي حتى دخلت على المنصور ، ودنوت منه ، فقال : ما وراءك ؟ قلت خير ألقيه إلى أمير المؤمنين وأريحه من هذا العناء . فقال : قل . قلت : أمير المؤمنين يعلم أن هؤلاء معهم علم ، وقد أخبرني راهب هذا الدير بكذا وكذا . فلما ذكرت له مقلاص ، ضحك واستبشر ، ونزل عن دابته فسجد ، وأخذ سوطه وأقبل يذرع به . فقلت في نفسي : لحقه اللجاج . ثم دعا المهندسين من وقته وأمره بخط الرماد « 1 » . فقلت له :
أظنك يا أمير المؤمنين أردت معاندة الراهب وتكذيبه . فقال : لا واللّه ، ولكنني كنت ملقبا بمقلاص ، وما ظننت أن أحدا عرف ذلك غيري ، وذاك أننا كنا بناحية الشراة « 2 » في زمان بني أمية على الحال التي تعلم ، فكنت أنا ومن كان في مقدار سني من عمومتي وإخوتي نتداعى ونتعاشر ، فبلغت النوبة إلي يوما من الأيام ، وما أملك درهما واحدا . فلم أزل أفكر وأعمل الحيلة ، إلى أن أصبت غزلا لداية كانت لهم ، فسرقته ، ثم وجهت به ، فبيع لي ، واشتري لي بثمنه ما احتجت إليه . وجئت إلى الداية وقلت لها : افعلي كذا واصنعي كذا . قالت : من أين لك ما أرى ؟ قلت : اقترضت دراهم من بعض أهلي . ففعلت ما أمرتها به . فلما فرغنا من الأكل وجلسنا للحديث ، طلبت الداية الغزل فلم تجده ، فعلمت أني صاحبه . وكان في تلك الناحية لص يقال له مقلاص ، مشهور بالسرقة . فجاءت إلى باب البيت الذي كنت فيه ، فدعتني فلم أخرج إليها لعلمي أنها وقفت على ما صنعت . فلما ألحت - وأنا لا أخرج - قالت : أخرج يا مقلاص ! الناس يتحذرون من مقصلاهم وأن مقلاصي معي في البيت . فمزح معي إخوتي وعمومتي بهذا اللقب ساعة ، ثم لم أسمع به إلا منك الساعة ، فعلمت أن أمر هذه المدينة يتم على يدي لصحة ما وقفت عليه « 3 » .
وهذه القصة التي ذكرها ياقوت الحموي في « معجم البلدان » قد عني بعض المؤرخين الذين سبقوه أو تأخروا عنه بإيرادها في مؤلفاتهم . ومنهم : الطبري « 4 » ،
هامش
( 1 ) كانوا يستعملون الرماد في تخطيط الأرض وتحديد مواضع البناء .
( 2 ) الشراة : صقع بالشام ، بين دمشق والمدينة المنورة .
( 3 ) معجم البلدان : لياقوت الحموي . ( مادة : بغداد ) .
( 4 ) تاريخ الطبري . ( حوادث سنة 145 ه ) .