إن هذا الجليل الذي يبلغ من العمر نحوا من ستة عشر قرنا ، لا يمكن أن يحيا على مدى هذه القرون في دعة واستقرار . فلقد أحاقت محن وشدائد مختلفة ، تعرض في بعضها إلى الخراب . ومن ثمة ، فإن يد الإصلاح ، لم تنفك عن ترميم ما تشعث منه . من ذلك أن المفريان باسيل جرجس الثاني الموصلي ، وقد ارتقى إلى المفريانية سنة 1760 م ، رممه ، فابتنى له سورا طوله خمسون ذراعا ، وجدد كنيسته ، وشيد فيه سبع غرف « 1 » . ثم رمم سنة 1795 م « 2 » وجدد سنة 1845 م « 3 » .
ومن الأعمال المعمارية الحديثة التي حظي بها هذا الدير ، ما قامت به حكومة الثورة ، في عهد الرئيس صدام حسين . وقد أوكل أمر هذا الترميم والإصلاح ، بهيئة فنية من قبل المؤسسة العامة للآثار والتراث . وما زالت هذه الهيئة منذ سنوات وحتى يوم الناس هذا ، ماضية في أعمال الإنشاء والصيانة ، كي يصبح هذا الدير موضعا أثريا بارزا يليق بمكانته التاريخية ، ويصبح محطا لأنظار الزائرين .
استرعى هذا الدير انتباه بعض البلدانيين العرب القدامى ، فوصفوه أجمل وصف ، نورد من ذلك ما كتبه كل من ياقوت الحموي ( ت 626 ه - 1228 م ) ، وابن فضل اللّه العمري ( ت 749 ه - 1348 م ) . قال ياقوت :
« دير متى : بشرقي الموصل ، على جبل شامخ يقال له جبل متى . من اشترفه نظر إلى رستاق نينوى والمرج . وهو حسن البناء . وأكثر بيوته منقورة في الصخر . وفيه نحو مائة راهب لا يأكلون إلا جميعا في بيت الشتاء أو بيت الصيف ، وهما منقوران في صخرة ، كل بيت منهما يسع جميع الرهبان . وفي كل بيت عشرون مائدة منقورة من الصخر ، وفي ظهر كل واحدة منهن قبالة « 4 » برفوف وباب يغلق عليها ، وفي كل قبالة آلة المائدة التي تقابلها من غضارة « 5 » وطوفرية « 6 » وسكرجة « 7 » ، لا تختلط آلة هذه بآلة هذه .
هامش
( 1 ) رحماني : دير مار متى الشيخ ودير مار بهنام الشهيد . ص 179 .
( 2 ) نقاشة : عناية الرحمن . ص 364 .
( 3 ) اللؤلؤ المنثور . ص 514 .
( 4 ) القبالة : الخزانة ، وغالبا ما تكون في الجدار .
( 5 ) الغضارة : إناء يصنع من الطين ، ويصبغ بالأخضر .
( 6 ) الطوفرية ، ويقال فيها : الطيفورية . ضرب من الأواني ، شبه الصحاف أو الأطباق ، متخذ لوضع الطعام أو الفاكهة فيه .
( 7 ) السكرجة : إناء صغير ، توضع فيه الكوامخ ونحوها على المائدة .