طالب : كلا إن شاء الله لم يكن الله ليضيعه .
ثم خرجنا به إلى الشام ، فلما قربنا من الشام رأيت والله قصور الشامات
كلها قد اهتزت ، وعلا منها نور أعظم من نور الشمس ، فلما توسطنا الشام ،
ما قدرنا أن نجوز سوق الشام من كثرة ما ازدحم الناس وينظرون إلى وجه
رسول الله صلى الله عليه وآله ، وذهب الخبر في جميع الشامات ، حتى ما
بقي فيها حبر ولا راهب إلا اجتمع عليه .
فجاء حبر عظيم ، كان اسمه نسطور ، فجلس حذاه ينظر إليه ولا يكلمه
بشئ حتى فعل ذلك ثلاثة أيام متوالية ، فلما كانت الليلة الثالثة لم يصبر حتى قام
إليه فدار خلفه كأنه يلتمس منه شيئا ، فقلت له : يا راهب كأنك تريد منه
شيئا ؟ فقال أجل إني أريد منه شيئا ، ما اسمه عليه السلام ؟ قلت : محمد بن
عبد الله صلى الله عليه وآله ، فتغير والله لونه ، ثم قال : فترى أن تأمره
أن يكشف لي عن ظهره لأنظر إليه ؟ فكشف عن ظهره ، فلما رأى الخاتم انكب
عليه يقبله ويبكي .
ثم قال : يا هذا أسرع برد هذا الغلام إلى موضعه الذي ولد فيه ، فإنك
لو تدري كم عدو له في أرضنا لم تكن بالذي تقدمه معك ، فلم يزل يتعاهده في
كل يوم ويحمل إليه الطعام ، فلما خرجنا منها أتاه بقميص من عنده ، فقال له :
ترى أن تلبس هذا القميص لتذكرني ( 1 ) به ؟ فلم يقبله ورأيته كارها لذلك ،
فأخذت أنا القميص مخافة أن يغتم وقلت : أنا ألبسه ، وعجلت به حتى رددته
إلى مكة ، فوالله ما بقي بمكة يومئذ امرأة ، ولا كهل ولا شاب ، ولا صغير ،
ولا كبير إلا استقبلوه شوقا إليه ما خلا أبا جهل ( 2 ) لعنه الله فإنه كان فاتكا ( 3 )
هامش
( 1 ) في المصدر : فقال لي : أترى أن يلبس هذا القميص ليذكرني به .
( 2 ) أبو جهل : عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي كان أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وآله
وقتل في وقعة بدر الكبرى سنة ( 2 ) .
( 3 ) الفاتك : الجرئ على ما هم من الأمور وما دعته النفس إليه .