الجوهر . فلم يكن غير بعيد وإذا أنا بمحفل بالغيد « 1 » ، وقد دار بينهما عتاب بألفاظ تعجز عنها ألسنة الكتّاب : بيضاء وسمراء في مفاتنة كبرى ، وكاملة وقصيرة في معاطاة كثيرة ، وسمينة ورقيقة في معاتبة حقيقة ، وعربيّة وحضرية « 2 » في مجادلة قويّة ، وعجوز وصبية في مخاصمة بذيّة « 3 » . فبينما أنا انظر في تلك الوجوه المرونقة « 4 » ، إذا بجارية يغلب ضياء وجهها على ضياء الشمس ؛ فوقفت بين الصفوف وسلّمت ببنانها الخمس . ثمّ تقدّمت وقالت : الحمد للّه الذي جعل البياض طراز كلّ جمال ، وشرّف أهله بالحياء والكمال ، وأعطاهم عزّة لا تبيد وصيّر السّمر لهم عبيد « 5 » . ألا وإنّ على قلبي جمرة من معاتبتك ، يا ذات السّمرة . أعندك ، يا سمراء ، ما عندي ؛ وليس قدّك كقدّي ولا خدّك كخدّي : جبيني ذو ابتهاج ، وذوائبي كقطع الزاج « 6 » . . . . . وثغري أقحوان ، وديباج وجهي أرجوان « 7 » . وإن أرسلت شعري المضفور فظلام ليل على بياض كافور . . . .
قال الكاتب : وكانت العجوز مخضوبة البنان ، مسوّكة « 8 » الفم وليس لها أسنان ، مصبوغة الحاجب والسالف تندب ما فاتها في الزمن السالف « 9 » . ثمّ أنشدت وأجادت فيما قصدت :
إذا جفّ لين التين يحلو مذاقه ؛ * وأحلى مذاقا في الثّمار العجائز .
هامش
( 1 ) اقرأ : فلم يكن غير قليل فإذا . محفل : اجتماع ( محلّ الاجتماع ) ، جماعة . يرتجّ : يضطرب ، يموج ( يكثر فيه ) .
الغيداء : الجميلة .
( 2 ) عربية ( بدويّة ) .
( 3 ) بذية - بذيئة : فاحشة الكلام .
( 4 ) الرونق ( جمال الوجه ونضارته ) .
( 5 ) اختار عبد المهيمن الحضرمي أن يقف على « عبيد » بالسكون . وهذا خطأ . يجب أن تلحق بكلمة « عبيد » ألف الإطلاق « عبيدا » فإنّ الكلمة منصوبة ( مفعول به ثان من « صير » ) .
( 6 ) الذؤابة : الشعر المضفور ( المجدول كالحبال ) . الزاج : من الأملاح ( في تصنيف المواد في الكيمياء ) . وفي « المعجم الوسيط » ( ص 407 ) : الزاج الأبيض ، والأزرق والأخضر . والمقصود هنا « السواد » .
( 7 ) الأقحوان : زهر برّي قلبه أصفر ، وبتلاته بيضاء منتظمة تشبّه الأسنان بها . الديباج : نسيج كلّه من الحرير ، ويكون ملوّنا ألوانا ( يظهر له إذا تحرّك في الشمس ألوان مختلفة ؟ ) . الأرجوان : لون أحمر فيه شيء من الزرقة ( يسمّى « لون الملوك » ) .
( 8 ) سوّك الرجل أسنانه : دلكها ، مسحها بالمسواك . والمقصود هنا أن تلك العجوز كانت بلا أسنان .
( 9 ) السالف الأولى ( الشعر في جانب الرأس متدلّيا أمام الأذن ) ، والسالف الثانية : الماضي .