عنى بالحارث بن همّام نفسه « 1 » لأنّه ممّن يحرث ويهمّ . ولذلك نسبه إلى البصرة وهي بلد الحريريّ . وإنّما وضع أبا زيد كنية للدهر لأنّ ( الحريريّ ) يصفه بأشياء لا تليق إلّا بالدهر .
قوله ( اقتعدتّ ) أي ركبت ، وأصله اتّخذت قعدة أو قعودا وهما اسمان للبعير يقعد عليه صاحبه . و ( الغارب ) مقدّم سنام البعير . و ( الاغتراب ) والغربة التجوّل في البلدان والبعد عن الأوطان . . . . وأراد : لمّا اتّخذت ظهر الغربة قعودا . ( أنأتني ) أبعدتني . ( المتربة ) الفقر . ( الأتراب ) الأصحاب على سنّ واحدة . ( طوّحت ) رمت .
و ( طوائح ) نوائب . وتقول : طوّحت بالرجل إذا رميت به إلى الهلاك . وقياس الطوائح المطاوح . . .
- قال أبو العبّاس الشريشيّ ( وهو في مصر ) يتشوّق إلى الشام :
يا جيرة الشام ، هل من نحوكم خبر ؟ * فإنّ قلبي بنار الشوق يستعر « 2 » .
بعدتّ عنكم . فلا ، واللّه ، بعدكم ، * ما لذّ للعين لا نوم ولا سهر .
كأنّني لم أكن بالنير بين ضحّى * والغيم يبكي ، ومنه يضحك الزهر « 3 » ؛
والورق تنشد ، والأغصان راقصة ؛ * والدوح يطرب بالتصفيق والنهر « 4 » .
والسفح ، أين عشيّاتي التي ذهبت * لي فيه ؟ فهي ، لعمري ، عندي العمر !
- وكتب ، وهو في الشام ( في حلب ؟ ) إلى بدر الدين بن الدقّاق ناظر أوقاف حلب ( وفي البيتين جناس بين « كمال الدين » لقب الشريشي و « البدر عند الكمال » - التّورية في « عند الكمال » ) :
هامش
( 1 ) الحارث بن همّام إشارة إلى الحريري نفسه .
( 2 ) استعر : توقّد ( اشتدّ اشتعاله وكثرت حرارته ) .
( 3 ) النيرب : قرية قرب دمشق على نصف فرسخ منها بين البساتين ، وهي أنزه المواضع في دمشق ( تاج العروس - الكويت 4 : 259 ) . وترد في الشعر مثنّاة « النيربين » . ويقال اليوم : باب النيرب .
والنيرب أيضا قرية قرب حلب أو ناحية بها . ضحى : أول النهار ( بعد ارتفاع الشمس قليلا ) .
( 4 ) الورقاء : الحمامة . الدوحة ( بالفتح ) : الشجرة الكبيرة .