ونجد في هذا العصر نوعا غريبا من الرسائل . إن نفرا من أهل الأندلس لم يكتب لهم حظّ بالذهاب إلى الحج ، فكانوا يكتبون رسائل « موجّهة إلى حضرة رسول اللّه ومطوية على كثير من التشوّق والتوسّل » ثم يبعثون بها مع نفر ذاهبين إلى الحج ليضعوها لهم على قبر الرسول في المدينة . وربما جعلوا مكان الرسائل قصيدة .
ونشير هنا إلى أبي عبد اللّه بن أبي الخصال ( ت 540 ه ) فقد أنشأ لهذا الغرض رسائل ونظم قصائد .
والمقامة تلحق بالرسالة . كثر اهتمام الأندلسيين في هذا العصر بالمقامات - وبمقامات الحريري خاصة - فتدارسها الأدباء وشرحوها وحاولوا النّسج على منوالها .
من ذلك مثلا مقامة للفتح بن خاقان ( ت 529 ه ) ومقامة لأبي إسحاق بن خفاجة ( ت 533 ه ) ومقامة لأبي عبد اللّه بن أبي الخصال ( ت 540 ه ) ثم المقامات اللّزومية للسرقسطي الأشتركويي ( ت 538 ه ) - راجع ترجمته .
غير أن بديع الزمان الهمذاني ( ت 398 ه ) كان قد ذهب بالبراعة في مادّة المقامة ( في القصة والموضوعات ) كما كان الحريريّ ( ت 516 ه ) قد ذهب فيما بعد بالأسلوب فيها ( الصناعة اللفظية والمعنوية ) . وجميع المقامات التي أنشئت بعد ذلك كانت تقليدا نازلا عن المرتبة التي ارتفعت إليها مقامات البديع ومقامات الحريري .
- فمن أصحاب المقامات الوزير أبو الوليد محمّد بن عبد العزيز المعلّم ، ورد في مقامة له ( الذخيرة 2 : 114 ) :
. . . . وكان لي أليف ، وعقيد شريف ، من صرحاء الإخوان ، وصيّابة الفتيان ، ومصاص « 1 » أعيان الزمان . وحين سوّلت لي همّتي ما سوّلت « 2 » وخيّلت لي أمنيّتي ما خيّلت ، أجلنا قداح الرأي وأسهمنا بين القرب والنأي « 3 » : شاور في أمري قريحته
هامش
( 1 ) الأليف : الذي تعوّد صحبتك . العقيد : الكريم . صيّابة ( سادة ) الفتيان ( الرجال الشجعان البارزين في قومهم الباقين في سلوكهم ) . المصاص : الخلاصة .
( 2 ) سوّل فلان لفلان أمرا : زيّنه له وحبّبه إليه وأغراه به .
( 3 ) أجال : أدار . القدح ( بالكسر ) : قطعة من خشب عليها رقم أو علامة تستخدم في لعب الميسر ( القمر ) .
أجلنا قداح الرأي : تبادلنا الرأي وقلّبناه على وجوهه . النأي : البعاد ، الفراق .