إذ يميني للبذل يوم العطايا ، * ولقبض الأرواح يوم الكفاح ،
وشمالي لقبض كلّ عنان * يقحم الخيل في مجال الرماح « 1 » .
وأنا اليوم رهن أسر وفقر * مستباح الحمى مهيض الجناح « 2 » :
لا أجيب الصريخ إن حضر النا * س ، ولا المعتفين يوم السماح « 3 » .
عاد بشري الذي عهدت عبوسا : * شغلتني الأشجان عن أفراحي « 4 » .
فالتماحي إلى العيون كريه ؛ * ولقد كان نزهة اللّمّاح « 5 » !
وبعد أن كانت حركة التوشيح قد قوي ساعدها منذ مطلع عصر ملوك الطوائف ( ومنذ مطلع القرن الخامس ) ، عاد الشعراء إلى اصطناع الجزالة ( سياقة الألفاظ الدقيقة الدّلالة في التركيب المتين ) . ولكنّ التقليد ظلّ باديا على قصائد هؤلاء الشعراء وخصوصا من أثر ديوان المتني وديوان المعرّيّ المشرقيّين . ولم تكتسب القصائد المقلّدة كثيرا من صحّة الشعر المشرقي ومتانته .
غير أن هذا كلّه لم يمنع جانبا من الشعر الأندلسي من الاستمرار على سمته الأول من حيث الرقّة والبراعة في وصف الطبيعة ، كما نرى عند ابن الزّقاق ( ت 530 ه ) وعند خاله ابن خفاجة ( ت 533 ه ) ؛ ولا منع هذا أيضا من بقاء الموشّح الجميل ، كما نرى عند ابن بقيّ القرطبي ( ت 540 ه ) .
ولكنّ المستغرب في هذا الباب أنّ الغناء كان في هذا العصر ملتصقا بالقصيد لا بالموشحات ، مع أنّ الموشّحات كانت قد نظمت في الأصل لمواكبة الغناء . لقد كان الفيلسوف ابن باجّة ( ت 533 ه ) - وابن باجة كان عالما وشاعرا وموسيقيّا أيضا - يعلّم الموسيقى ، وكانت عنده قيان ( جوار مغنّيات ) يصنع لهنّ التلاحين ، ويعلمهنّ الغناء .
هامش
( 1 ) عنان الفرس : زمامه ، لجامه ، رسنه . اقحم ( أدخل ) الخيل في مجال الرماح ( في المعركة ) .
( 2 ) مستباح الحمى ( غير قادر عن الدفاع عن ملكي ) . مهيض : مكسور .
( 3 ) الصريخ : نداء الحرب . المعتفي : طالب الإحسان . السماح : الكرم .
( 4 ) البشر ( بالكسر ) : طلاقة الوجه ، السرور . الشجن ( بفتح ففتح ) : الحزن .
( 5 ) والتماحي ( النظر إلي ) .