شعرا في والي عيذاب أمتدحه وأستحذيه « 1 » . أخّرت نفسي إلى السحر وأعددتّ دواة وقرطاسا فلم يساعدني القول فيه « 2 » بشيء . وأجرى اللّه القلم بأن كتب :
قالوا : تعطّف قلوب الناس ! قلت لهم : * أدنى من الناس عطفا خالق الناس .
ولو علمت لسعيي أو لمسألتي * جدوى ، أتيتهم سعيا على الرأس « 3 » .
لكنّ مثلي في ساحات مثلهم * كمزجر الكلب يرعى غفلة الخاسي « 4 » .
وكيف أبسط كفّي للسؤال وقد * قبضتها عن بني الدنيا على الياس « 5 » .
تسليم أمري إلى الرحمن أمثل بي * من استلامي كفّ البرّ والقاسي « 6 » .
فقنعت نفسي وأقبل أنسي وحمدت اللّه جلّ وعزّ وشكرته على ما صرفني عنه من استجداء مخلوق مثلي . فما لبثت ثلاثة أيّام حتّى جاءني كتاب والي عيذاب يولّيني فيه بخطّة قضاء القضاة « 7 » بالصعيد ثمّ وادي إخميم .
4 - * * المحمّدون 305 - 306 ؛ نفح الطيب 2 : 508 .
الإمام المازري
1 - هو أبو عبد اللّه محمّد بن عليّ بن عمر بن محمّد التميميّ المشهور بالمازريّ « 8 » نسبة
هامش
( 1 ) عيذاب : مرفأ في جنوب مصر على البحر الأحمر . أستحذيه : أطلب منه حذاء أو عطاء .
( 2 ) السحر : آخر الليل قبل الفجر ( يكون الإنسان في مثل هذا الوقت قد نال قسطا كافيا من النوم وارتاح جسمه وعقله فيكون أكثر نشاطا وأقدر على نظم الشعر وعلى غير نظم الشعر ) .
( 3 ) جدوى : فائدة .
( 4 ) في الأصل : ساحات مثلكم . والمعنى يقتضي : مثلهم . مزجر الكلب ( الجلوس بعيدا ) يرعى ( يراقب ) غفلة الخاسي ( الخاسئ ) والخاسي من الكلاب الكلب الذي لا يترك أن يدنو من الناس . والشاعر يقصد بالخاسىء الذي يطرد الكلب . فيقول الشاعر أراقب غفلة الذين يطردونني ، فإذا غفلوا عني اقتربت من طعامهم .
( 5 ) قبضتها عن بني الدنيا على الياس : كنت قد مددت يدي إلى الناس مرارا فرجعت يدي فارغة ورجعت أنا يائسا من خيرهم .
( 6 ) أمثل : أليق . الاستلام : تقبل اليد ونحوها . البرّ : التقيّ ، الرفيق بالناس .
( 7 ) استجداء : طلب الجدوى ( العطيّة ) . قاضي القضاة : منصب يتناول القضاء العام غير قاصر على بقعة معيّنة .
( 8 ) معظم هذه الترجمة مبنيّ على كتاب حسن حسني عبد الوهّاب ( ت 1388 ه - 1968 م ) .