شدّوا المطيّ وقد نالوا المنى بمنى ، * وكلّهم بأليم الشّوق قد باحا « 1 » .
سارت ركائبهم تندى روائحها * طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا « 2 » :
نسيم قبر النبيّ المصطفى لهم * روح إذا شربوا من ذكره راحا « 3 » .
يا واصلين إلى المختار من مضر ، * زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا « 4 » .
إنّا أقمنا على عذر وعن قدر ؛ * ومن أقام على عذر كمن راحا « 5 » .
- وقال أبو العبّاس بن العريف ( نفح الطيب 5 : 598 ) :
لست أدري أطال ليلي أم لا ؛ * كيف يدري بذاك من يتقلّى « 6 » ؟
لو تفرّغت لاستطالة ليلي * ولرعي النجوم كنت مخلّا « 7 » .
إنّ للعاشقين عن قصر اللي * ل وعن طوله من الفكر شغلا « 8 » .
- وقال ( نفح الطيب 4 : 331 ) :
إذا نزلت بساحتك الرزايا * فلا تجزع لها جزع الصبيّ « 9 » .
فإنّ لكلّ نازلة عزاء * بما قد كان من فقد النبيّ « 10 »
هامش
( 1 ) أسرجوا مطاياهم ( خيلهم وإبلهم ) وسافروا عليها . منى منسك من مناسك الحجّ شرق مكّة .
( 2 ) مطاياهم كانت ذات رائحة طيبة وأجسامهم كانت ذات رائحة طيّبة .
( 3 ) الروح ( بالفتح ) : الراحة ، السرور . إذا ذكروا الرسول طربوا كما يطرب الذي يشرب الراح ( الخمر ) .
( 4 ) المختار من أسماء الرسول . مضر : من عرب الشمال . - أجسامكم زارت الأجسام ( الأبنية ) في مكّة ، ولكن أرواحنا التقت بذكر الرسول وبالشوق إلى تلك الأماكن ( التي زرتموها أنتم بأجسامكم ) .
( 5 ) نحن أقمنا ( في بلادنا : لم نذهب إلى الحجّ ) عن عذر ( لأنّنا غير مستطيعين أن نذهب إلى الحجّ ) وعن قدر ( واللّه تعالى لم يكتب لنا أن نذهب إلى الحجّ ) . ولكنّنا في الأجر سواء ( أنتم رغبتم في الذهاب إلى الحجّ ويسّر اللّه لكم ذلك . ونحن رغبنا في الذهاب إلى الحجّ ولم ييسّر اللّه لنا ذلك ) .
( 6 ) تقلّى : جلس مضطربا متململا ( كأنّه يتقلّب في المقلى على النار ) .
( 7 ) لو كنت أفكّر في طول الليل وقصره ( في أمور هذا العالم ) لكنت مخلّا ( مقصّرا ) : كنت متلهّيا عن ذكر اللّه بذكر أشياء لا قيمة لها .
( 8 ) إنّ العاشقين ( المحبّين للّه - من أهل التصوّف ) يشغلهم ( بفتح الياء والغين ) ذكرهم للّه عن كلّ شيء آخر .
( 9 ) الرزيّة : المصيبة الكبيرة . الجزع : الخوف مع الاضطراب .
( 10 ) النازلة : المصيبة . عزاء : تسلية ، نسيان . - إنّ الذين يدركون مصيبة المسلمين بوفاة الرسول تهون عندهم جميع المصائب الأخرى .